دمشق | المشهد كان مؤثراً بحق، اختزل إرادة آلاف اللاجئين الفلسطينيين وحقّهم في الحياة بسلام، وإعلانهم بتمسّكهم بآخر ما تبقى لهم من رموز انتمائهم لوطنهم فلسطين، تؤكد على حقهم في العودة إليها. إصرارهم على العودة السريعة إلى بيوتهم، غير مكترثين بالهدوء النسبي واستمرار التوتر، ما هو إلا تطبيق عملي على أرض الواقع، لكلمات قصيدة «مأساة النرجس» للراحل محمود درويش التي كتبها عام 1989: «عادوا لأنهم أرادوا واستعادوا النارَ في ناباتهم، فأتى البعيدُ من البعيد، مضرّجاً بثيابهم وهشاشة البلور، وارتفع النشيدُ على المسافة والغياب.. صنعوا خرافتهم كما شاؤوا، وشادوا للحصى ألقَ الطيور وكلما مروا بنهر... مزّقوهُ، وأحرقوهُ، من الجنين... وكلما مرّوا بسوسنة بكوا وتساءلوا: هل نحن شعب أم نبيذٌ للقرابين الجديدة؟».

مع صباح يوم أمس، برزت أخبار الاتفاق الذي توصل إليه الجيش الحر والجماعات المسلحة التي سيطرت على المخيم، مع فصائل المقاومة الفلسطينية والجيش السوري النظامي، والذي أعلنه السفير الفلسطيني في دمشق محمود الخالدي، بعد مباحثات وتدخلات دولية بالجملة، للسيطرة على الأزمة. نصّ الاتفاق أخيراً على: «سحب جميع المظاهر المسلحة بكافة أشكالها وانتماءاتها من أرض المخيم، وعودة جميع النازحين إلى بيوتهم، مع تقديم ضمانات بعدم دخول الجيش السوري النظامي إليه، وخروج جميع عناصر وقادة الفصائل الفلسطينية بما فيها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين _ القيادة العامة، وتسليم حركة حماس والجهاد الإسلامي زمام إدارة وتيسير أمور المدنيين». وأكّد البيان، أيضاً، على اعتبار مخيّم اليرموك منطقة آمنة ومحايدة، لكن المتحدث باسم الجبهة الشعبية _ القيادة العامة، أنور رجا، أكد في تصريحات صحافية أنّه «لم يحصل أيّ اتفاق مع تلك المجموعات الإرهابية المسلحة أو الجيش الحر إطلاقاً». حالة من الانقسام، والقراءات المتباينة، يعيشها نازحو مخيّم اليرموك حول جملة المعطيات والوعود والضمانات، التي قدّمها الاتفاق الأخير. منهم من شكّك في تطبيقها على الأرض بشكل فعلي، إذ يقول أبو مفيد (44 عاماً)، أحد النازحين إلى مخيّم خان الشيح، «سبق أن قدمت لنا ضمانات ووعود مماثلة في الأشهر الماضية، لكن النتيجة كانت معاكسة تماماً. لا أتوقع لهذا الاتفاق أن يدوم طويلاً». ويضيف «فضّلت التريث بضعة أيام قبل العودة مع عائلتي إلى بيتنا في شارع حيفا، الذي تعرّض للقصف، وتحول إلى ساحة مفتوحة للمواجهات المسلحة في الأيام الأخيرة. لعبة الاتفاقات السياسية لم تعد تقنع أحداً أمام حجم العنف والدمار الذي لحق بمخيّمنا».
في المقابل، لم يتردّد أكثر من 10 آلاف نازح من المخيم، في العودة سريعاً إلى بيوتهم ومخيمهم، فور سماعهم خبر الاتفاق والتهدئة. حركة العودة ودخول المخيم تمت بشكل جماعي من جهة شارع 30، ودوار البطيخة عند بوابة المخيم، بعدما سمحت لهم حواجز الجيش السوري بالعبور «سيراً على الأقدام، وعلى مسؤوليتنا الشخصية»، كما يروي عبد الناصر، الذي شارك آلاف النازحين العائدين في تظاهرة العودة الحاشدة، التي جالت شوارع المخيم الرئيسية، وأطلقت فيها هتافات وشعارات مثل «نموت وتحيا فلسطين» و«على الرباعية على الرباعية... رافعين الراس الفلسطينية»، وهتافات أخرى عبّرت عن سخط وغضب النازحين العائدين على الفصائل الفلسطينية دون استثناء، وجميع أطراف الصراع الدائر في سوريا. ولم تشهد تظاهرة العودة حضوراً وشعارات «فصائلية» هذه المرة. واقتصرت الشعارات والرموز على الأعلام الفلسطينية، وصور القدس، في تأكيد وإعلان واضح مع جميع النازحين العائدين على إسقاط جميع الفصائل الفلسطينية من حساباتهم، بعدما كانت التظاهرات والمسيرات السابقة محطة لتنافس فصائل المقاومة الفلسطينية على إثبات حضورها ووجودها في أكبر مخيّمات اللجوء الفلسطينية.
فور وصولهم إلى أرض مخيمهم، نظّم العشرات من شباب اليرموك مجموعات للقيام بحملات تنظيف وإزالة آثار الدمار الكبير الذي أصاب البيوت والمرافق العامة. البداية كانت مع جامع «عبد القادر الحسيني»، الذي شهد مجزرة مروّعة ذهب ضحيتها عشرات القتلى من النازحين المدنيين، الذين لجأوا إليه للاحتماء في فنائه من القصف العنيف. «لا نكترث بحجم الانتقادات، التي وجهتها لنا في الأيام الماضية بعض أطراف الصراع والحرب في سوريا. اتّهمنا بتسليم مخيّمنا لكتائب الجيش الحر، والتخاذل في الدفاع عنه، لكن ندعو من أطلق هذه الاتهامات إلى أن يزور مخيمنا اليوم، ليشاهد حجم الدمار والعنف الذي لحق به. ترى، هل كان يحتمل البقاء والدفاع عنه بيديه العاريتين؟». يقول مهند (32 عاماً)، أحد شباب فريق العمل التطوعي، الذي أكد إلى «الأخبار» سماع أصوات الرصاص بين الحين والآخر، من أطراف المخيم الجنوبية. «رصاص القنص لا يزال يحصد أرواح المدنيين الأبرياء حتى اللحظة. قبل ساعات، دفنا الشاب سامر أبو حمدة الذي أصيب برصاصة مباشرة في صدره. لا أعلم إن كانت الرصاصة التالية ستصيبني أنا أو أحد رفاقي المتطوعين في العمل الميداني»، يضيف.
أعادت أزمة مخيّم اليرموك الصراعات السياسية والنزاعات المستمرة بين فصائل المقاومة الفلسطينية على من يمتلك تمثيل الشارع الفلسطيني. اتفاق الهدنة الأخير أعلن بشكل مباشر انتهاء حضور ووجود الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين _ القيادة العامة، من أكبر مخيمات الشتات الفلسطيني، كما هي الحال مع عدد آخر من فصائل المقاومة الفلسطينية، التي غادرت كوادرها أرض المخيم تنفيذاً للاتفاق. بالمقابل، أعاد الاتفاق كلاً من حركة حماس والجهاد الإسلامي الى الواجهة مجدداً، بعد إغلاق جميع مكاتب الحركتين في سوريا، على أثر الموقف الذي أعلنه رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، من الحرب والأزمة السورية، والذي يتفق في وجهة النظر مع تصريحات الأمين العام للجهاد الإسلامي رمضان عبد الله شلح.