بين «عمود السحاب» التي بدأتها إسرائيل باغتيال قائد كتائب عز الدين القسام، أحمد الجعبري و«حجارة سجّيل» و«السماء الزرقاء»، وهما التسميتان اللتان اختارتهما «كتائب القسام» و«سرايا القدس» لعملياتهما، مشهد جديد عاشت على وقعه غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، في وقت ظهر فيه سباق بين التصعيد ومساعي التهدئة، برعاية مصرية.

فبعد الصواريخ التي بلغت تل أبيب للمرة الأولى، أصبحت القدس المحتلة بدورها في مرمى نيران المقاومة، ليجد الإسرائيليون أنفسهم مضطرين إلى العودة إلى الملاجئ، بعدما أصبح أكثر من مليون إسرائيلي عرضة للصواريخ. والصواريخ نفسها لم تعد مقتصرة على «كورنيت» أو «فجر 5»، بل كشفت المقاومة عن امتلاكها بين ترسانتها صواريخ أرض جو مضادة للطائرات، مكّنتها من اسقاط طائرتين في اليومين الماضيين.
وفي موازاة المعارك المستمرة التي أدت حتى الأمس إلى سقوط 28 شهيداً وقرابة الثلاثمئة مصاب، فإن حركة اتصالات عربية ودولية لم تنجح حتى اللحظة في تمهيد الأرضية لوقف اطلاق النار، في ظل تهويل إسرائيل الباحثة عن مخرج لأزمتها بالاستعداد لبدء حملة عسكرية برية، وانحياز أميركي وأوروبي لها.
لكن يبدو أن الانحياز محدد بسقف، إذ سرّب أحد الوزراء في منتدى التساعية، الذي اجتمع أمس، أن «ما يقوله لنا العالم، بحسب المحادثات التي اجراها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته أفيغدور ليبرمان، مع قادة في الغرب، هو الآتي: حالياً لديكم مساندة، لكن الحبل ليس طويلا جداً». وأضاف «مثال جيد يمكن الحديث عنه هنا، إذ إن نتنياهو حادث رئيس الحكومة البريطانية، ديفيد كاميرون، الذي سأل: متى تتوقفون؟ وكم ستستمر العملية؟ فقال نتنياهو: نوقف إطلاق النار عندما توقفه حماس، وما دام لم يحصل ذلك، فلن نوقف إطلاق النار. لكن إذا توقفت حماس، فسنتوقف. وقد خرج وزير الخارجية البريطانية وقال للكاميرات محذّراً إسرائيل: «لديكم شرعية، لكن هذه الشرعية ستتقوض لحظة تكون هناك إصابات كبيرة وسط مدنيين أبرياء في غزة. لحظة تدخلون براً فإنكم تزيدون من احتمال حصول هذه المسألة، فكونوا حذرين».
وبناءً عليه، نشطت الاتصالات لاستعادة التهدئة. وباشرت الاستخبارات المصرية جهوداً خاصة للتوصل مع فصائل المقاومة في غزة الى اساس يمكن تسويقه لترتيب وقف لاطلاق النار مع اسرائيل. وقالت مصادر واسعة الاطلاع إن الجهات المصرية المعنية حددت مواعيد للقاءات واتصالات سوف تجرى اليوم وغدا على ابعد تقدير لإقناع فصائل المقاومة بوقف فوري لاطلاق الصواريخ، مقابل اعلان اسرائيل وقف العملية العسكرية ضد القطاع ووقف الغارات الجوية.
وبينما لاحظت مصادر فلسطينية ان المصريين، كما الاسرائيليون، يستعجلون اتفاقا الان، فقد كشفت هذه المصادر ان الضغوط التي تمارس على فصائل المقاومة في هذه الساعات تهدف الى طلب وقف قصف المناطق البعيدة. وقالت المصادر إن «المفاجأة التي برزت خلال الساعات الـ 24 الماضية تتمثل في اتصالات اسرائيلية ومن دول عربية وغربية مع القيادة المصرية، لإقناع حركتي حماس والجهاد الاسلامي بوقف اي محاولات لقصف تل ابيب والقدس المحتلة. وان اعطاء المقاومة ضمانات بهذا الشأن سوف تقابله ضمانات بتراجع الحملة الاسرائيلية، وصولاً الى تهدئة على قاعدة ان الطرفين لا يخرجان من الجولة خاسرين، او على الاقل بما يتيح لكل منهما اعلان الانتصار».
وحسب المصادر، فان المناخ السائد لدى المقاومة في غزة يشير الى انها ليست في مأزق، وان الشارع يدعم كل ما تقوم به، حتى ولو ذهبت الى وقف لاطلاق النار، لكن الفصائل ترفض اي تعهد بوقف قصف الصواريخ البعيدة المدى قبل الحصول على ضمانات بان وقف النار سوف يكون مختلفاً عن السابق، إضافةً الى وعود مصرية جدية بتقديم الدعم الفعلي ومعالجة ملفات عالقة تخص الحدود والمعبر الحدودي وامور اخرى.
وفي السياق، أفادت القناة العاشرة الإسرائيلية، عن قيام رئيس الدائرة الأمنية والسياسية في وزارة الدافاع الإسرائيلية، عاموس جلعاد، باتصالات مع المسؤولين المصريين، بهدف ايجاد مخرج للوضع الحالي. وقدر المعلق السياسي على القناة العاشرة أنه بعد اربع وعشرين الى ست وثلاثين ساعة يمكن أن نرى نتائج فعلية لوقف اطلاق النار تتحقق عبر الجانب المصري.
الدور المصري لم يتوقف عند حدود السعي إلى التهدئة، بل حاولت القيادة الإسلامية في أرض الكنانة إظهار اصطفافها على نحو كامل إلى جانب حركة «حماس»، عبر إيفاد رئيس وزرائها هشام قنديل إلى القطاع، بعد التوصل إلى هدنة مؤقتة لإتمام الزيارة.
تعهد قنديل من غزة تكثيف جهود القاهرة لتحقيق التهدئة وحث قادة العالم على ايقاف «العدوان» على قطاع غزة. وقال، على هامش تفقده الجرحى في مستشفى الشفاء في غزة، «هدف الزيارة ليس مجرد إظهار التضامن، بل التأكيد أيضاً على أن مصر الثورة لن تتوانى عن تكثيف جهودها لوقف العدوان وتحقيق الهدنة واستمرارها حتى تحقيق السلام الشامل وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف».
من جهته، وصف رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة إسماعيل هنية، زيارة قنديل للقطاع بأنها «زيارة تاريخية». ورأى أن الزيارة تحمل 3 رسائل مختلفة، الأولى لإسرائيل «وهي أنه لن يسمح لك بالتفرد بغزة، والثانية للشعب الفلسطيني وهي أننا معكم، والثالثة للغرب والولايات المتحدة وهي عليكم أن تتحركوا لوقف العدوان على غزة».
وزيارة قنديل لن تكون الوحيدة إلى غزة، اذ يستعد وزير الدولة للشؤون الخارجية التونسي رفيق عبد السلام، للتوجه اليوم الى غزة، على رأس وفد رسمي، فيما أبدى وزير الخارجية الإيرانية علي أكبر صالحي، أمس عن استعداده للتوجّه إلى قطاع غزة، مؤكداً دعم بلاده للمقاومة الفلسطینیة في مواجهة «الاعتداءات الإسرائيلية».
بدوره، حذر الرئيس المصري، محمد مرسي، من أن استمرار الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة سيكون له «ثمن باهظ». وأكد «أنه لن يكون للصهاينة سلطان على أهل غزة، ومصر لن تترك غزة وحدها». ونبه إلى أن «الثمن سيكون باهظاً لاستمرار العدوان، وعلى المعتدي تحمّل المسؤولية». واستدرك قائلاً «لا أريد اللجوء إلى الإجراءات الاستثنائية، لكن إن رأيت الوطن في خطر فلن أتردَّد».
ومن المرتقب أن تحتضن القاهرة اليوم اجتماعاً لوزراء الخارجية العرب بشأن غزة، إلا أن سقفه قد لا يتعدّى التنديد، بعدما نفى مندوب العراق الدائم لدى الجامعة العربية، قيس العزاوي، أمس، أن يكون هناك طرح منه باستخدام سلاح النفط في المواجهة، بعدما كان قد طالب في مؤتمر صحافي باستخدام هذا السلاح من أجل الضغط على الولايات المتحدة ودول أخرى.
بدوره، أكد رئيس المكتب السياسي لـ«حماس»، خالد مشعل، أمس أن زمن الانتصارات الإسرائيلية على العرب انتهى، مشيراً في كلمة له عقب صلاة الجمعة في مسجد القوات المسلحة في الخرطوم إلى أن «إسرائيل فوجئت بالاستعدادات العظيمة لشباب حركة حماس لرد العدوان على غزة، بعدما وصلت الصواريخ تل أبيب، فاستنجدت بأميركا وأوروبا لحث مصر على تبني وساطة للهدنة بين الجانبين».
ووصف مشعل، الذي تلقى اتصالاً من الرئيس الفلسطيني محمود عباس لبحث سبل وقف التصعيد، زيارة رئيس الوزراء المصري هشام قنديل إلى غزة بأنها «انتباهة حقيقية للقادة العرب وطريق للنصر».
أما عباس، فتحدث عن وجود اتصالات عالية المستوى على مستويات عربية ودولية من أجل وقف «العدوان» على قطاع غزة. ورأى «أن كل ما يجري يهدف إلى عرقلة المسعى الفلسطيني في التوجه للامم المتحدة، لكنه شدد على أن القيادة ذاهبة للتصويت على الدولة المراقب في 29 من الشهر الحالي».
وفي المواقف العربية، دعا الملك السعودي، عبد الله بن عبد العزيز في اتصال هاتفي مع الرئيس المصري الى «تهدئة الامور وإحكام العقل»، وألا «يغلّب الانفعال على الحكمة والتدبر». أما الملك الأردني عبد الله الثاني، فاتفق مع مرسي، أول من أمس، على «ضرورة استخدام كل الوسائل والقنوات الدبلوماسية المتاحة للتأثير في عواصم صنع القرار العالمي بما يخدم مصالح الشعب الفلسطيني، ويسهم في إيقاف التصعيد الإسرائيلي ووقف العدوان على قطاع غزة».
دولياً، اتفقت الولايات المتحدة مع ايطاليا وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي على تحميل «حماس» مسؤولية التصعيد، فيما أكد الرئيس فلاديمير بوتين في مكالمة هاتفية مع نظيره المصري أنه «يدعم جهود القاهرة لوقف اعمال العنف في غزة وإعادة الوضع إلى طبيعته».
(الأخبار، أ ف ب، يو بي آي، رويترز، أ ب)