الضربة الإسرائيلية الأولى كانت قاسية. تم اغتيال احمد الجعبري او عماد مغنية ــ حماس. قد تكون الخسارة في حالة الحركة أكبر بسبب الطبيعة التنظيمية التي تجعل من مركزية القرار أمرا استثنائيا. لكن ذلك يعوَّض، وآلية العمل التي وضعها الشهيد تتيح لرفاقه من هيئة الأركان المبادرة إلى خطوات عملانية تساعد على ملء الفراغ.

الشق الثاني من الضربة، تمثّل في 22 غارة إسرائيلية على نحو عشرين مستودعاً للترسانة الصاروخية الاستراتيجية لحماس والجهاد الإسلامي. صحيح أن إسرائيل تصرفت بثقة عالية إزاء نجاح العملية. وصحيح أن قوى المقاومة لن تخرج ببيان تفصّل فيه الخسائر أو توضح الحقائق، لكن الثابت من معطيات ومؤشرات عدة أن الغارات أحدثت ضرراً كبيراً.
أما الشق الثالث، فيمكن حصره بمقاربة قوى المقاومة للضربة الإسرائيلية الأولى (اغتيال الجعبري وقصف مستودعات الصواريخ). أي أن جميع قادة وكوادر قوى المقاومة، ولا سيما في حماس والجهاد، حذرون بدرجة أعلى بكثير من العادة. وهاجسهم عدم القيام بخطوات تؤدي إلى مزيد من الخسائر في صفوف البنية البشرية. يقود هذا الشق الى بعض الجمود، او الى نقص في المبادرة. والمغامرة صعبة بعدما تبيّن أن العدو حقق اختراقات خطيرة على الصعيد الاستخباري، أكان البشري أم التقني، وأنه بمجرد اتخاذ قرار العمل، تم اغتيال الشهيد الجعبري أولاً، ثم ضُربت الأهداف الصاروخية. وسعت اسرائيل في الوقت نفسه إلى توجيه ضربات لعدد آخر من القيادات الميدانية المهمة. وهذا يعني لقوى المقاومة أنها ملزمة باعتماد خطط مختلفة عن تلك التي كانت مجهّزة لهذه المواجهة، بما في ذلك آليات التواصل والتحرك عند المقاومين. وهو ما تسبّب في الساعات العشرين الأولى للعدوان في نوع من الإرباك.
لم ينفِ المعنيون وجود ضرر كبير على مستوى الترسانة الصاروخية، لكن الأكيد، وهذا ما أظهرته تطورات الساعات الـ48 الماضية، أن لدى المقاومة احتياطاً مقبولاً، وأن المهم بالنسبة لها اختيار اللحظة المناسبة للوصول إلى هذا الاحتياط واستخدامه بطريقة تحقّق هدف الرد الآن، وهو كسر المحرّمات، أي قصف تل أبيب والقدس، ما جعل كل قصف بصواريخ فجر ــ 5 عملية نوعية بحد ذاتها.
لكن، كيف تواصل المقاومة المعركة؟
في هذا السياق، يعود النقاش مرة أخرى إلى حيث يجب، أي إلى العقل القيادي الذي يتحكّم بالقرار في مصر وغزة، وهو نقاش ينحصر ساعة بعد ساعة ليتركّز بين يدي جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر وفلسطين؛ أي ما الذي ينوي الحكم المصري القيام به، وما الذي لا تقدر حركة حماس على تجاهله. أما سائر قوى المقاومة فليس متوقعاً أن تضع لنفسها جدول أعمال يتعارض مع أي توافق حاسم سوف يكون مع حماس، إلى درجة أن مفاوضين من أوروبا وبعض الدول العربية حاولوا ليل الأربعاء ــ الخميس جسّ نبض قوى في المقاومة غير حماس حول إمكان الوصول إلى اتفاق سريع على الهدنة، فما كان من هذه القوى إلا الإجابة الواضحة والمباشرة: «اتّفقوا مع حماس أولاً، ومن ثم تعالوا إلينا، لن نكون أكثر تطلّباً من حماس. لكن، في انتظار بروز مبادرة، فإن قرار الرد الميداني مفعّل بصورة كاملة».
بهذا المعنى، وجبت مخاطبة الحكم المصري:
أولاً: إن قرار طرد السفير الإسرائيلي واستدعاء السفير المصري لا يمكن أن يشكل مفاجأة. إنه ببساطة أقل الواجب من حكم جاء بعد إطاحة حكم حسني مبارك المنضوي في المشروع المناهض للمقاومة.
ثانياً: إن إيفاد رئيس الحكومة أو بعض الوزراء أو فتح معبر رفح، كلها أمور تشبه أمر طرد السفير الإسرائيلي لناحية أنها لا تجيب عن السؤال حول القرار الاستراتيجي لمصر، وهي لا تعني بالنسبة للفلسطينيين إشارة إلى تحوّل جذري.
ثالثاً: إن الخطوات السريعة التي قام بها الرئيس المصري محمد مرسي ومساعدوه إنما تندرج في إطار تهدئة جماهير الثورة المصرية التي أطاحت حكم مبارك، وأوصلت «الإخوان» إلى الحكم. وهي خطوات هدفها احتواء أي مضاعفات سلبية من جمهور لا يقبل بتكرار السيناريو السابق مع العدوان على غزة. لكن هل هذا ما ينتظره أهل فلسطين؟
حقيقة ما يحصل منذ مساء الأربعاء الماضي أن الاستخبارات المصرية تجري الاتصالات بقادة قوى المقاومة في فلسطين لأجل وضع إطار لاتفاق وقف إطلاق النار، وبالتالي فهي تكرر ما كانت تقوم به سابقاً. حتى الاتصالات التي تجريها القيادة المصرية مع سائر العرب أو مع الأوروبيين والأميركيين لا تستهدف إلا إلى دفع إسرائيل إلى القبول بالهدنة من جديد، ما يعني أن مصر ما بعد مبارك تعيد أداء دور مصر مع مبارك، وهو دور الوسيط بين الجلاد والضحية. ومهما كان الموقف الإنساني المتعاطف، فهو أمر لا يُصرف في العملية السياسية... يعني أن مصر لم تتغيّر! الخطوة الوحيدة التي يمكن أن تقول العكس هي في فتح الحدود مع غزة، ليس فقط لوصول المساعدات الإنسانية، بل لوصول كل أنواع المساعدات التي تحتاج إليها المقاومة الآن في القطاع. بما في ذلك المتطوعون.
حتى اللحظة، مصر حصل فيها تداول للسلطة، وحتى اللحظة لا يبدو أن النظام السابق قد سقط!