الخرطوم | لم تحتج الحكومة السودانية لأكثر من عشر ساعات لتنهي عملية التقصي والتحقيق لمعرفة هوية الفاعل في حادثة التفجير الذي تعرض له مصنع اليرموك للتصنيع الحربي القابع جنوب الخرطوم، إذ كشف المتحدث باسم الحكومة، وزير الإعلام أحمد بلال، عن تعرض المصنع لقصف مكثف بواسطة تشكيل جوي من أربع طائرات إسرائيلية ذات تقنية هجومية عالية. وأفصح بلال عن أن الطائرات الهجومية تمكنت من التشويش على أجهزة الرادار في المصنع، قائلاً إن كل القرائن تشير الى أن مخلفات القصف، وبحسب فنيين، هي صناعة إسرائيلية.

وعلى عكس ما روى شهود عيان تحدثوا إلى «الأخبار» عن تحليق طائرات على مستوى قريب من أسطح المنازل الأرضية أتت من جهة الغرب، فإن الجهات الحكومية الرسمية أعلنت خلال المؤتمر الصحافي الذي عقد أمس أن سرب الطائرات أتى من جهة شرق السودان، وبدا أن تلك الجهة بالنسبة إلى الحكومة تمثل الجهة التي تتنهك منها إسرائيل الأجواء السودانية، حيث سبق أن قُصف رتل من السيارات في شرق البلاد قبل حوالى ثلاثة أعوام، ليتكرر الحادث مرتين بعد ذلك بضرب مواطنين سودانيين داخل سياراتهم الخاصة العام الماضي.
وكعادتها احتفظت الخرطوم بحق الرد، وشددت على أنها سترد الصاع صاعين، فيما أعلن وزير الاعلام أن «هذه الحادثة جعلتنا من دول المواجهة مع إسرائيل». غير أن حديث الجيش أتى يحمل نبره مغايرة عن الحديث الرسمي للحكومة، متهماً أفراداً داخل القوات المسلحة بالضلوع في تفجير مصنع الذخيرة، إذ لمّح المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الصوارمي خالد سعد، الى إمكان مشاركة عناصر من داخل صفوف الجيش في الهجوم على المصنع الحربي.
وقال سعد، في مؤتمر صحافي، «لا نستبعد وجود اختراق داخل صفوف الجيش السوداني، ولولا يقظة قواتنا لكان الهجوم أقوى»، مضيفاً أن «من الممكن أن يكون هناك عمل استخباري داخلي». وعزز المتحدث باسم الجيش اتهاماته تلك بتكرار حوادث القصف أكثر من مرة، ومع ذلك حرص على التأكيد أن الجيش يمتلك أجهزة متطورة تعمل لوضع تدابير لتلافي أي اختراق ممكن حدوثه.
وفيما يبدو أن الاتهامات التي ساقها المتحدث باسم الجيش تشير بوضوح الى وجود عملية تجسس كبيرة قد تكون داخل صفوف الجيش السوداني لصالح إسرائيل، فإنه في الوقت ذاته يبرّئ حكومة دولة الجنوب من أي تهمة، باعتبار أن الدولة الوليدة لا تمتلك تقنيات عالية كالتي تم الهجوم بها، إضافة الى أن الأجواء السياسية الحالية بين البلدين أجواء تصالحية. ورأى أن الغرض من الهجوم تعطيل القدرات العسكرية للسودان وشل التطور في الجيش، لإضعاف السيادة والقرار السياسي.
لكن، حسب متابعين، فإن أصابع الاتهام تشير الى الحركة الشعبية قطاع الشمال، ولا سيما أن الأخيرة قصفت في الآونة الأخيرة مدناً في ولاية جنوب كردفان الحدودية مع دولة الجنوب. وكان آخر عمليات القصف تلك صباح ذات اليوم الذي قصف فيه المصنع الحربي في الخرطوم، أول من أمس.
وتشير ساعة الصفر التي وقّتت لزمن التفجير، وهي الثانية عشرة ليلاً، الى أن ثمة تدبيراً محكماً لتلك العملية، أي بعد أقل من ست ساعات من الهجوم والقصف الصاروخي على مدينة كادقلي جنوب كردفان. وقد سبق أن هددت الحركة بنقل صراعها مع الحكومة الى داخل الخرطوم العاصمة.
وفي الوقت الذي كُشف فيه عن مقتل مواطنين اثنين وإصابة ثالث في حالة حرجة، حسب الرواية الرسمية، فإن مصادر مطّلعة تحدثت إلى «الأخبار» من مستشفى بشائر القريب من المصنع عن استقبال المستشفى لـ15 إصابة. وأكدت المواطنة كوثر أحمد اكتظاظ المستشفى التركي بالمواطنين في حالة إصابات مختلفة. وقالت لـ«الأخبار»، «كاد منظر الدماء يصيبني بالإغماء، فقد امتلأت المستشفى على سعتها بالمصابين».
وكانت الخرطوم عاشت ليلة أمس حالة من الرعب، حيث سارع سكان الضواحي الجنوبية للخرطوم إلى إخلاء منازلهم على عجل بعد سماع دوي الانفجارات التي اهتزت لها جنبات المساكن. وبحسب شهود عيان، فإن الطائرات بعد أن أصبحت قريبة من هدفها قامت برمي مقذوفات خرجت منها شرارات نارية.
وروت المواطنة عواطف سعد لـ«الأخبار» حالة الذعر التي أصابتها حينما ارتجّ منزلها، فما كان منها إلاّ أن خرجت الى الشارع العام في صحبة والدتها المسنّة ظناً منها أن الميادين العامة ستكون أكثر أمناً من المنازل، لكنها أصيبت بحالة كسر في القفص الصدري جراء تعثّرها، بعد أن دوى الانفجار الثاني.
في المقابل، امتنعت إسرائيل عن التعقيب على اتهامات السودان لها بقصف المصنع الحربي. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية يغئال بلمور لوكالة «يونايتد برس إنترناشونال»، «لا علم لنا بما حدث، وقد علمنا بالأمر من وسائل الإعلام».