كانت حافلة المدرسة تنقل الفتيات الى منازلهن في بلدة منغورا بوادي سوات في المنطقة القبلية الباكستانية، حين صعد مسلحون ملثمون اليها وطلبوا من السائق ان يُعرّف عن مالالا يوسف ضي. صرخ أحدهم «من مالالا، تكلموا وإلا فسأطلق النار عليكم جميعاً». عرفها فأطلق عليها رصاصتين، الأولى استقرت في الرأس والثانية في الرقبة، وأُصيبت معها فتاتان أخريان. نُقلت الفتيات على عجل الى المستشفى، انتُزعت الرصاصات من جسد مالالا النحيل. قال الأطباء إن هناك أملاً 70 في المئة بأن تُشفى. رُفعت الصلوات من أجل شفائها، ودان الأحرار الجريمة، التي ارتُكبت باسم الدين ضدّ طفلة جلّ ذنبها أنّها طلبت العلم.
هي ليست المرّة الأولى التي تهاجم فيها «طالبان» مالالا، بل الثانية. باتت هدفاً لهم بسبب ما كتبته على مدونة على موقع «بي بي سي» قبل ثلاث سنوات، وتحديداً حين أصدرت «طالبان» حكمها القاطع بإغلاق مدارس البنات في سوات، الوادي الذي يوصف بأنه جنة على الأرض بسبب جماله الخلاب، لكنّه في الوقت نفسه جنة آمنة لحركة «طالبان» وأخواتها.
لكن مالالا باتت بعدها ناشطة للنضال من أجل تعليم الفتيات، الشيء الذي تحاربه حركة «طالبان»، وترى فيه تهديداً لوجودها ربما. ولقيت تضامناً معها على المستوى الوطني والعالمي. في كانون الأول 2011، نالت جائزة السلام الوطنية، أول جائزة من هذا النوع في باكستان. قالت على أثرها «أطمح إلى تأسيس حزب، يعمل من أجل التعليم. حزبي سيعمل في المحافظات الأربع». وفي العام نفسه رُشحت لجائزة الطفولة للسلام العالمية.
لكن ما الذي كتبته مالالا في مدونة «بي بي سي» في كانون الثاني 2009 حتى أثارت جنون «طالبان» وباتت عدوة لإسلامهم. قالت في إحدى المدونات «أنا خائفة». روت أنها رأت حلماً فظيعاً عن مروحيات عسكرية وطالبان. أحلام مماثلة تراودها منذ اطلاق الحملة العسكرية في وادي سوات الجميل. في الصباح، أعدت لها والدتها الفطور، وكانت تستعد للذهاب الى المدرسة. «كنت خائفة»، تقول، «فطالبان أصدرت فتوى تمنع الفتيات من الذهاب الى المدرسة. لذلك لم يحضر الى الصف سوى 11 فتاة من أصل 27. الفتيات اللواتي لم يحضرن الدروس هربت عائلاتهن الى بيشاور ولاهور وروالبندي خوفاً من تلك الفتوى».
في طريق العودة من المدرسة الى المنزل، سمعت شخصاً يقول «سأقتلك»، فالتفتت في هلع، لكن الشخص الذي قال ذلك كان يتحدث عبر الهاتف لشخص آخر، فعاد الدم الى شرايينها.
مرة ثانية، تتحدث عن فستانها الملون الذي مُنعت من ارتدائه، ربما لأنه يُثير «طالبان»؛ فالألوان تدفعهم الى الجنون، يفضلون الحياة بالأبيض والأسود. تقول إنها كانت تستعد للذهاب الى المدرسة، وكانت تريد أن ترتدي زيها المدرسي لولا أنها تذكرت ان المدرسين قالوا لهن ان لا يرتدين الزي المدرسي، بل ثياباً عادية كي لا يلفتن نظر «طالبان». فقررت أن ترتدي ثوبها الزهري المفضل. الفتيات الأخريات ارتدين بدورهن ملابس ملونة فرحة. وفي الحصة الدراسية الأولى، قيل لهن أن لا يرتدين أزياءً ملونة لأن «طالبان» قد تعارض ذلك.
في رحلة الى بونير من أجل قضاء عطلة دينية. تقول إنها تعشق بونير بسبب جبالها وحقولها الخضراء. تعشق «سواتها» الجميل أيضاً، لكن هناك في بونير، سلام وهدوء. في «سواتها» جنّة خوف. الجميع ذهب الى مسجد بيربابا للصلاة، لكن هي وعائلتها كانوا هناك من أجل الاستجمام.
في رسالة كتبتها في 14 كانون الثاني 2009، تتحدث عن العودة الى المدرسة، تقول إن المدير لم يحدد متى ستفتح المدرسة أبوابها بعد عطلة الشتاء، ربما السبب أن «طالبان» كانت قد أعلنت حظراً على الفتيات ابتداءً من 15 كانون الثاني. تشير الى أن الفتيات لم يكنّ متحمسات للعطلة الشتوية، لأنهن علمن أن «طالبان» كانت ستبدأ تطبيق قرارها بعد انتهاء العطل. بعضهن كن متفائلات بأن المدرسة ستفتح أبوابها في شباط، وبعضهن الآخر ذهبن مع عائلاتهن الى مكان بعيد عن سوات.
كتبت «في آخر يوم من المدرسة، قررنا أن نلعب في الملعب وقتاً أطول. وفي بالي أن المدرسة ستفتح يوماً ما، لكن عندما غادرت نظرت الى المبنى نظرة وداع. كأنني لن آتي الى هنا مجدداً».
هذا ما كتبته ابنة الـ 11 عاماً في ذلك الوقت. عبّرت عن خوفها وأحلامها. طفلة رفضت عالم «طالبان» بالأبيض والأسود. أرادته زهرياً وملوناً وفرحاً، لكنهم أرادوه مظلماً، فسدّدوا رصاصتهم مباشرة نحو رأسها. كانت تذهب مع رفيقاتها الى المدرسة متنكرات، يخبئن الكتب في ثيابهن، يتحدين هجمات مادة الأسيد الحارقة والرصاص. قالت مرة لصحيفة «نيويورك تايمز» «سأتلقى تعليمي في المنزل، المدرسة، أو أي مكان».

قتلها واجباً شرعياً!

لم تستح حركة «طالبان» من جريمتها، بل أصدرت بياناً تُعلن فيه المسؤولية، وتبرّر قتل طفلة ذنبها أنها طلبت العلم، باسم الإسلام. قالت إنه ليس فقط مسموح بقتل مالالا، بل هو «واجب شرعي، يجب قتل كل شخص متورط في قيادة حملة ضدّ الشريعة، وكل من يحاول أن يدفع المجتمع الى الانخراط في هذه الحملة، وتلك الشخصية (مالالا) باتت رمزاً للحملة المناهضة للإسلام».
اذاً مالالا، الفتاة التي طلبت العلم، تمثل خطراً على الإسلام، بحسب «طالبان». استندت الحركة في فتوى القتل تلك الى آيات قرآنية، ورأت أنه لا مجال للشك في أن أي فتاة تؤدي دوراً في الحرب ضدّ الجهاد يجب أن تُقتل.
الطفلة التي أحبت أن ترتدي ثوبها الزهري وأن تستمتع بجمال واديها الباهر، تقف في طريق الجهاد. «ومن يجادل في أنها فتاة، فإن رفيقاً أعمى للنبي قتل زوجته لأنها قالت كلاماً بذيئاً عن النبي، وهو أثنى على ذلك»، «ومن يجادل في كونها طفلة، فان رفيق موسى قتل طفلاً، وعندما سأله النبي لماذا قتلت الطفل، أجاب أن أبويه كانا مؤمنين وعندما يكبر سيرهقهما». تلك حجج «طالبان» لقتلها طفلة.
ليس صحيحاً أن سبب جريمتهم كان تعليم الفتيات، تقول «طالبان»، فهذه «بروباغندا يروجها الإعلام الكافر». السبب الحقيقي هو أن مالالا، «تروّج لأفكار علمانية ضدّ الشريعة. وكل من يحذو حذوها سيلقى مصيرها. وإن نجت فسنعيد الكرّة».
احتفل عناصر «طالبان» وهللوا لأنهم حققوا نصراً ضدّ «الطفلة الكافرة» التي تُروّج للعلمانية. كيف لا، «نصرهم اليوم هو الأعظم منذ دحرهم للسوفيات»، يكتب أحد المدونين. ويضيف «قالوا لي إنكِ (مالالا) تتعلمين القراءة والكتابة، وهذا تهديد للإسلام، وانك تعملين للترويج لإيديولوجيا علمانية».




مالالا هي من لن تكونه «طالبان»

قضية مالالا ملأت الصحف الباكستانية والغربية، وعبر الكتّاب عن حزنهم وتضامنهم مع الفتاة الشجاعة. وتساءل البعض لماذا لم تؤمن السلطات لمالالا حرساً خاصاً، لماذا جعلوها هدفاً سهلاً للمتطرفين؟
الاستاذ في إحدى جامعات تورنتو، مرتضى حيدر، كتب يُعرّف بمالالا «مهاجموها سألوا السائق من تكون مالالا، يبدو أنهم لا يعرفونها. دعوني أجيب عن هذا السؤال: مالالا هي من لن تكونه أبداً «طالبان». هي جريئة، مستنيرة، واضحة، وامرأة مسلمة تمثل وجه باكستان. هي أمل دولة متداعية لم تعد قادرة على حماية فتياتها».
وقالت بشرى غوها، من حزب «الأوامي»، إن مالالا «فتاة جريئة وشجاعة وطبيعية. تحدت وهي في سنّ الـ 14 المسلحين. وكل ما طلبته التعليم، هي مصدر إلهام لنا جميعاً». والدها ضياء الدين قال «لن نغادر البلاد سواء نجت مالالا أم لم تنج. لدينا إيديولوجيا تروج للسلام. «طالبان» لا يمكن أن توقف كل الأصوات المستقلة برصاصاتها».
الحكومة الباكستانية والأحزاب السياسية داخل البرلمان دانت الجريمة. وعرضت الحكومة جائزة بقيمة 100 ألف دولار من أجل القاء القبض على المعتدين. أما الأحزاب، فشُغلت خلال جلسة برلمانية في تبادل اللوم على سياسات مكافحة التمرد في وادي سوات. الجماعة الإسلامية المعارضة، رأت أن الحرب على الإرهاب ليست حرب باكستان، بل أميركا. وحزب الشعب الباكستاني الحاكم، رأى أنّ يعتقد أنها ليست حربنا «يعيش في جنة واهمة».