اليرموك | «تلعب»؟ العبارة الكلمة، سمعتها بعد فترة قصيرة من وقوفي أشاهد بعض الشبان وهم يلعبون «الفيشة» او «البيبي فوت». ينظر الشاب إليّ بعينين جادتين، ويكرر الطلب «تلعب؟». ربما ظن أنني مجرد «متفرج» فضولي، على الرغم من أني كنت لحظتها كذلك، لكني كلاعب متمرس في هذه اللعبة، التي «درجت» كثيرا في السبعينيات، لا يمكنني رفض دعوته إلى التحدي. ولا بأس من إنفاق بعض الوقت في اللعب، خيراً من إنفاقه في انتظار الأخبار، سمة هذه الأيام.


بدأت اللعبة بتقدمي بعدد من الأهداف عليه، لكن اللعبة ازدادت سخونة بعد تدخل شاب صغير يُسمي نفسه «أبو جهاد»، لينقذ صديقه من الخسارة. بعد جهد كبير حاولت فيه أن أستعيد كل حرفيتي في هذه اللعبة، استطعت أخيراً، لحسن حظي أيضاً، التغلب عليه بفارق هدف واحد، وحفظت بالتالي ماء وجهي.
ولعبة «الفيشة» لمن لا يعرفها، هي عبارة عن طاولة مستطيلة، متوسطة الحجم، يحتل سطحها العلوي ميدان يشبه ملعب كرة القدم، ويتموضع على جانبيها الطويلين، ما مجموعه ثمانية مقابض، تسمح للخصمين بالتحكم في اللاعبين، الذين يكوّنون فريقين، غالباً ما يكون لون أحدهما أحمر والثاني أزرق. في الواقع هي لعبة حماسية بامتياز، لا يمكنك مشاهدتها دون أن تولّد لديك الرغبة في لعبها. وبالرغم من أنها لعبة موسمية، تنتشر عادة في فترة الأعياد، والأيام القليلة التي تسبقها، إلّا أنك اليوم لا تستطيع السير في شوارع وأزقة مخيم اليرموك دون أن تسمع صوت ارتطام الطابة بعنف، صوتها المميز، أو تشاهدها في المحال التي جرى تخصيصها لتكون ميداناً لهذه اللعبة في الحارات، وحتى في السوق!
فإحدى هذه الطاولات احتلت مكاناً لافتاً، توسطت فيه بسطات الألبسة في سوق شارع صفد الشهير في المخيم مثلاً، وهو مكان لافت للنظر، لأنه ليس مكاناً للتسلية، بل مقتطع من فسحة مخصصة لكسب الرزق. ولأنه لكسب الرزق، يبدو أن المكان الجديد الذي تحتله لعبة الفيشة مكان صحيح ومختار بسبب وظيفته تلك بالتحديد. فقد انتشرت اللعبة أخيراً إثر الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها سوريا ككل، حالياً، وبالتالي المخيم. ففي الآونة الأخيرة تصاعدت الأحداث الدموية التي تشهدها البلاد، ووصلت إلى المناطق المحيطة بالمخيم، ملقية بظلالها الأمنية والاقتصادية عليه، ما جعل الكثير من سكانه، وخاصة أصحاب المصالح التجارية والمهن منهم، أشبه ما يكونون بالعاطلين من العمل، فسعى بعضهم إلى تغيير مهنته مؤقتاً، على أمل انفراج الأحوال، وكان أحد البدائل تأجير «الفيشة»، كما فعل محمد، الشاب العشريني، وصاحب محل «فيشة صفد» حالياً، الذي كان يعمل فراناً في فرن العائلة، لكن «غلاء أسعار المواد الأساسية لعمل الفرن، اضطرنا إلى إغلاقه»، بحسب قوله، فاشترى طاولة الفيشة وبدأ بتأجيرها.
هكذا، ونتيجة لغلاء الأسعار، وهي احدى نتائج الوضع الاقتصادي المتردي، غيّر «محمد» مهنته. الأمر لا يختلف كثيرا عند «أبو حسام»، الذي احتلت طاولته مدخل احدى الحارات المطلة على شارع اليرموك الرئيسي: فهو رب أسرة مكونة من زوجة وخمسة أولاد. مهنته الأساسية؟ كانت «نجار باطون»، لكن العمل توقف، بحسب كلامه «نتيجة الأزمة»، فاختار «مهنة» تأجير الفيشة «لأنها الأرخص. فأيّ عمل آخر بحاجة إلى رأس مال كبير لا أملكه». ويضيف العم «أبو حسام»، المردود المادي الذي تحصّله طاولته الخاصة لا يتجاوز 300 ليرة سورية يوميا، وهو غير كافٍ لإعالة أسرته، التي قد يصل مصروفها اليومي إلى الف ليرة سورية، نتيجة غلاء الأسعار.
ومع ذلك، وبالرغم من ضعف المردود المادي، فإن كثيرين في المخيم يحاولون امتهان هذه «المهنة»، التي هي ليست إلا نوعاً من بطالة مقنّعة. فالشاب الثلاثيني «أبو طه»، وهو رب أسرة مكونة من زوجة وابنتين، كان يعمل هو الآخر حداد باطون، لم يسلم من المنافسة التي يتعرض لها من طاولتين لاثنين من جيرانه، تمركزا في الحارة التي يسكنها في حي التقدم بالمخيم. يقول متهكماً على تدافع الناس على هذه «المهنة» كأنها آخر ما تبقى «بيفكروا الناس أنهم سيقبرون الفقر من وراها..».
وفي الأحوال العادية يكون من الصعب جداً الحصول على ترخيص من البلدية لافتتاح صالة للعبة «الفيشة» هنا. فمخيم اليرموك، لا يشبه مخيمات لبنان. إذ إنّ الدولة تمد سلطتها على المخيم، لكن نظراً للظروف، يبدو أن البلدية تغض الطرف، باعتبارها مورداً بديلاً يمكّن العاطلين من العمل، ومن توقفت أعمالهم بسبب الاوضاع التي تمر بها البلاد، الى حدّ ما، من تأمين احتياجاتهم الأساسية.
واذا زرت مخيم اليرموك هذه الأيام، ومررت قرب احدى الطاولات المنتشرة في شوارعه، و توقفت «للتفرج» قليلاً»، فكن مستعداً للتحدي، إذ هناك من سينظر إليك بعينين جادتين جدية البحث عن الرزق قائلاً: «تلعب؟».




بالطبع ليست لعبة «الفيشة» البديل الوحيد المتوافر في المخيم للاسترزاق، حيث هناك الكثيرون ممن افتتحوا «بسطة» هنا لبيع الفلافل والسندويشات على أنواعها، أو بسطة هناك لبيع الخضروات، وهناك من بدأ ببيع الدخان بنوعيه الوطني والأجنبي. وهي كلها بدائل يحاول أبناء المخيم استخدامها لتستمر الحياة ولو بالحد الأدنى، لكن تبقى لعبة «الفيشة» الوحيدة من بين هذه البدائل التي تجمع حولها الجميع، الصغار والكبار، وحتى العجائز، ليمضوا وقتهم في التسلية، وفي التفكير في شيء آخر غير «آخر المستجدات»، وهذه الأخيرة متعة بالفعل ما بعدها متعة.