لا يختلف حال مجموعات المعارضة السورية المسلّحة عن الجماعات الجهادية. كلتاهما تقاتل نظام الرئيس بشار الأسد، لكنهما وجهان لـ«عملة ثورية واحدة»، يفتُكْ فيهم التفرّق والتشظي ويقضي عليهم صراع النفوذ، إلا ما ندر منهم. التنافس بين المجالس العسكرية في كل من محافظتي إدلب وحلب يشتدّ يوماً بعد آخر، ولا سيما أن أعداد هذه المجالس تضاعف حتى صار أكثر من أن يُحصى. فضلاً عن أنّ كل مجموعة مسلّحة، مهما بلغ عديدها ونوعية تسليحها، فإنها باتت «تفتح على حسابها». تُطلق التسمية التي تختارها، ثم تُنفّذ العمليات العسكرية وتُبيح لنفسها ما تُحرّم على غيرها.

هكذا تستغل كل ذلك وتوظّفه للحصول على التمويل، من دون أن يكون لها هدف واضح أو وجهة وطنية. وقد نشط خلال الفترة الماضية أكثر من حراك لتشكيل عدة ألوية في حمص وما حولها. حال مشابه ومستنسخ لما يجري في كافة المحافظات. وسط الصورة القاتمة هذه التي تطغى على المشهد العام في الجانب السوري المعارض، تبرز كوّة أمل تُعوّل عليها قيادات عسكرية في المعارضة.
انطلاقاً مما سبق، خرج إلى الضوء منذ ثلاثة أشهر ابن منطقة الرستن، العقيد الركن المنشق بشار سعد الدين. يُبرر الضابط الذي تخلى عن رُتبته مفضلاً عليها صفة ثائر، تأخّر انشقاقه بأن في عائلته سبعة ضباط أراد ضمان انشقاقهم جماعيّاً خوفاً من تنكيل النظام بهم. يُخبر كيف كان يُدرّب الثوّار، رغم وجوده على رأس عمله في المراحل الأولى للثورة. يتحدث العقيد المذكور عن «ثوّار وشبيحة الثوّار». يرى أن هؤلاء عالة على الثورة، كاشفاً أن هناك محاولات للقضاء عليهم عبر محاكم ثورية، ولا سيما أن «هناك رجالاً يحملون السلاح، ليسوا ثوّاراً، بل مستعرضون أو لصوص». العقيد سعد الدين لم يتأخر قبل أن يُعلن تشكيله الجديد «لواء يوسف العظمة». ورغم تأكيده نيّته عدم شقّ الصف وتوحيد البندقية، إلّا أنه يرى في «اللواء الوليد نواة جيش وطني جديد بديل لعصابات النظام». التشكيل العسكري يصل عديده إلى 600 مقاتل ضمن نطاق ريف حلب وإدلب، ويضم تشكيلات جيش نظامي فيه كتائب مقاتلة وأخرى استطلاعية وغيرها.
يعلن الضابط المنشق، وهو اختصاصي مدفعية، أنه كان ينتظر مصدر التمويل غير المشروط، باعتبار أنه يريد أن يخالف القواعد السائدة على الأرض.
فهو يريد أن يتخلّص من مشاكل سوء التنظيم وقيادة العمليات الحربية غير المنظمة.
ويرى أن قرار تشكيل اللواء، جاء رضوخاً تحت طلب عدد من المجموعات التي قررت الاتحاد تحت هذه التسمية. ويذكر منها لواء درع الثورة التابع للجيش السوري الحر ولواء درع هنانو.
يشغل بال العقيد المنشق أنانية القيادة التي تُشرذم المعارضين وتصيب مقتلاً منهم. ويتحدث سعد الدين عن تعارض في الأولويات لدى المجموعات المقاتلة؛ إذ يذكر أن هناك شعارات تُرفع لا تمتّ إلى الممارسة على أرض الواقع بصلة.
يؤكد قائد «لواء يوسف العظمة» أن «ثورتنا عظيمة»، مشيراً إلى أن دمارها ومقتلها يكمن في عدم الاتحاد. يستنكر تهمة التخوين التي بات يستسهل كثيرون إطلاقها يمنة ويسرة من دون بيّنة، معتبراً أنها تخلق شرخاً يؤذي الفصائل والثورة. وردّاً على سؤال عن سبب عدم انضمامه إلى الجيش الوطني أو الجيش السوري الحر، يجيب قائلاً: «أنا جزء منهما، وممكن أن أنتمي إلى أي واحد منهما إذا كان يملك رؤية مستقبلية وفق قاعدة الله ثم الوطن». يُحدد قائد اللواء الوليد أهدافه بركائز ثلاث: «إزاحة نظام بشار الأسد، جمع السلاح الموجود والمسلحين تحت قيادة واحدة، ومنع الاقتتال الطائفي في المستقبل». ورغم التشظي الظاهر، يؤكد العقيد المنشق أن «الثوار يد واحدة، لكن كل واحد يأتمر بأوامر الجهة الداعمة له». ويكشف أنه سيقود في الأيام المقبلة عملية «تحرير منطقة حارم التي تبعد 25 متراً عن تركيا، علماً بأنها معقل للشبيحة والأمن والجيش». ويتحدث عن عمليات كر وفر تحصل يومياً، مشيراً إلى أنه سبق أن دخلها في الأول من أيلول.
يرى سعد الدين أن «تنظيم جبهة النصرة» فصيل انتفض لتحرير بلده، لكن النظام حوّله إلى تنظيم إرهابي. ويكشف أن هناك بين خمس وست كتائب ستنضم إليه، لكنه يؤكد أن الأهم نوعية المقاتلين، لا عددهم.
وعن مقتل أبو محمد الشامي، الذي تسيطر جماعته على منطقة باب الهوى بعدما حررتها ورفعت الرايات السود في مقارّها، يرى العقيد سعد الدين أن جهة مشبوهة تقف خلف قتله. وهو إذ ينفي تورّط كتيبة الفاروق، يروي أنه يوم مقتله كان هناك اجتماع لكل الفصائل المقاتلة في إدلب. ويذكر أن أحد العناصر التابعة للشيخ أبو محمد دخل عليه أثناء الاجتماع ناقلاً أن «كتيبة الفاروق اختطفت أبو محمد».
يؤكد العقيد أنه نفى فوراً، مشيراً إلى أن الجهة التي قتلته في منطقة باب الهوى لم تُعرف. وحول انتماء هؤلاء إلى القاعدة، يردّ العقيد سعد الدين بأن انتماءنا إسلامي، لافتاً إلى أنّ مجموعة أبو محمد الشامي ما لبثت أن أنزلت الرايات السود ورفعت علم الثورة والاستقلال.
في موازاة ذلك، تبرز إلى الواجهة المجموعات العسكرية الأكثر حضوراً في كل من محافظتي إدلب وحلب. إذ يُعدّ «لواء التوحيد» التنظيم الأقوى في حلب، يرأسه شخصٌ يُعرف باسم الحاج محمود. أما في إدلب، فتبرز كتائب وشهداء ألوية سوريا.
إضافة إلى تنظيم «جبهة النصرة للشام» الذي يُسيطر عسكرياً على كل من أريحا وسلقين في محافظة إدلب. أما نوعية الأسلحة المستخدمة في القتال هناك، ففضلاً عن المتفجرات التي تُعَدّ الأكثر تأثيراً، يُذكر مدفع رشاش عيار 23، ومدفع رشّاش عيار 14 ونصف. وتتحدث معلومات المعارضة السورية عن امتلاك «لواء التوحيد» لكمية قليلة من صواريخ كوبرا وستينغر، فضلاً عن قواذف الأربي جي ورشاشات الكلاشنيكوف والدوشكا والبي كي سي والأم 4 المنتشرة بكثرة في أيدي المقاتلين.