لا تقاتل المعارضة المسلّحة في سوريا نظام بشار الأسد وحده. بل تقاتله وتقاتل نفسها وتتقاتل في ما بينها. في إمارة بلاد الشام وأرض الجهاد، يختلط الحابل بالنابل. هنا تضيع البوصلة، فيُشتبه في الصديق والعدو. يُصبحان سواسية في خانة واحدة. فتوجّه فوّهة البندقية إلى كليهما. لا، بل تُسفك دماؤمهما حتى. وهنا أيضاً، لا أُخوّة في دين الإسلام.


منذ أيام، قُتل أحد أمراء تنظيم «القاعدة في بلاد الشام»، أبو محمد الشامي، المعروف بـ«العبسي». قتله جهاديون إسلاميون يقاتلون تحت لواء كتيبة الفاروق السلفية، الموالية لـ«تنظيم القاعدة» فكرياً. تآمر هؤلاء مع عناصر من الجيش السوري الحر وكمنوا له لـ«اغتياله في منطقة حدودية قريبة من تركيا». تروج هنا روايتان عن كيفية مقتله. تذكر الأولى أن منفّذي الاغتيال انقضوا عليه خفية واختطفوه إلى جهة مجهولة، ثم قتلوه طعناً بالسكاكين وألقوا بجثّته في حفرة. وتذكر المعلومات أن الشيخ أبو بصير الطرطوسي وأمير «كتائب أحرار الشام»، أبو عبد الله، توسّطا من أجل العمل على إطلاق سراح الشيخ أبو محمد الشامي قبل تصفيته، لكن ذلك لم يُجدِ نفعاً.
أما الرواية الثانية، فتشير إلى أن مجموعة الاغتيال المنفّذة طلبت الاجتماع بأبو محمد للتشاور بشأن بعض الأمور، لكنها غدرت به فجأة. وقد أدى مقتل الأمير العبسي إلى حصول اشتباكات عنيفة بين مجموعة العبسي من جهة، وعناصر من كتيبة الفاروق ومجموعات الجيش السوري الحر من جهة أخرى، ونتج منها سقوط عشرات الإصابات بين قتيلٍ وجريح. وقد وُصفت هذه الاشتباكات بأنها من «أخطر الصدامات التي وقعت منذ بدء الثورة بين العناصر الجهادية»، التي تدفّقت إلى سوريا من مصر وتونس والجزائر والإمارات والسعودية والكويت وأوروبا وغيرها.
والجدير ذكره أن أبو محمد كان قد جاء موفداً من دولة العراق الإسلامية لإقامة الإمارة الإسلامية في سوريا، علماً بأن الأخير «كان مع كتيبته أول من حرّروا معبر باب الهوى الحدودي ورفعوا الرايات السود على مقارّه الرسمية». أما الأسباب التي أدّت إلى تصفيته فتتعدد. يُذكر منها الخلاف على النفوذ والإمارة والاختلاف على تطبيق الشريعة والتخوين. وفي هذا السياق، يكشف مصدر سلفي جهادي لـ«الأخبار » أنّ «السبب المباشر لاغتيال الشيخ أبو محمد هو حصة السلاح التي فرض دفعها»؛ إذ بعد سيطرة الشيخ أبو محمد العبسي على معبر باب الهوى، الذي كانت شحنات السلاح تمرّ عبره، فرض ما يُشبه «الخوّة» على جميع مهرّبي السلاح والمجموعات المتسلمة له. والخوّة هنا حصّة أو نسبة من السلاح بات العبسي يحصل عليها. وقد وصلت أحياناً إلى ثلاثين في المئة من حجم الشحنة. والسلاح المصادر هذا، كان يُعلن الشيخ أبو محمد أنه يُخبأ استعداداً للمعركة الكبرى. والمعركة الكبرى هنا، بحسب المصدر الجهادي، «معركة مبشرٌ بها تحصل بعد سقوط النظام وتهاويه». لذلك كان هذا السلاح يُخفى في مخابئ ويُطمر أحياناً استعداداً لهذه المعركة الموعودة. إزاء ذلك، ثارت حفيظة كل من كتيبة الفاروق الناشطة في كل من حلب وإدلب إلى جانب مجموعات من الجيش السوري الحر. ورغم الخلافات الموجودة بين الفاروق وفصائل الجيش الحر، جرى تجاوزها واتُّفق على تصفية الشيخ أبو محمد الشامي بإيعازٍ تركي. ولا سيما أن الجانب التركي كان قد حاول أكثر من مرة إقناع أبو محمد باستثناء شحناته التي يُرسلها إلى المجموعات التابعة له، لكنّ «العبسي» كان يُصرّ على الرفض بذريعة أن واجبه الإسلامي يفرض عليه ذلك.
إذاً. فقد قتل الجهاديون جهادياً. معادلة يستحيلُ فهمها، لكن تلك الحادثة لم تكن الأولى من نوعها وليست الوحيدة على أرض سوريا. وتحديداً بين مجموعات الجهاديين أنفسهم. إذ تكشف معلومات المعارضة السورية الواردة من إدلب وحلب أن هناك اشتباكات عنيفة تحصل باستمرار بين المجموعات الإسلامية الجهادية. وتشير هذه المعلومات إلى أن هؤلاء منقسمون حيال الأحقية والأولى بالإمارة وأصول تطبيق العقيدة الإسلامية الحقّة. ليس هذا فحسب، فقد وقع شقاقٌ بين جماعات الجهاديين، القادمين من باكستان وأفغانستان والبلقان والشيشان من جهة، وأولئك السوريين والليبيين والتونسيين والأردنيين من جهة أخرى، حيال الإماء. والإماء هنّ النسوة الذين يعدّهم الجهاديون غنائم حرب. فقد ظهر في سوريا قسمٌ من الجهاديين يرى أن نساء الرجال الموالين للنظام، حقٌّ شرعي لهم. وتحت هذه الذريعة، اعتُدي على عشرات النساء واستُحلّت حرماتهم. في المقابل، وقف جهاديون إسلاميون في وجه هؤلاء بالمرصاد، رافضين لهذه الممارسات. ورأى هؤلاء أن ذلك يؤلّب المجتمع السوري الحاضن لهم ضدّهم، باعتبار أن للمرأة والعرض والشرف مكانة حسّاسة في المجتمع السوري يستحيل تجاوز خطوطها الحمراء. أضف إلى ذلك، صراع النفوذ الذي بدأ يُترجم على الأرض تصفيات متبادلة. والذريعة دوماً حاضرة: «ثبت لدينا أنّه عميل للنظام». كذلك جرى تقسيم المناطق تبعاً للألوية المسيطرة والمجموعات العسكرية المقاتلة، يفصل بينها خطوط تماس بحيث يُمنع على أفراد باقي المجموعات تجاوزها تحت طائلة المواجهة أو التصفية.
في موازاة ذلك، علمت «الأخبار» أن عدداً من الجهاديين اللبنانيين والفلسطينيين الذي توجّهوا إلى سوريا للالتحاق بركب الجهاد، عاد بعضهم أدراجه بعدما شهد الاشتباكات الضارية التي تحصل بين الإسلاميين أنفسهم. وفي السياق، يُبدي أحد هؤلاء خشيته ممازحاً: «بتنا نخشى من سقوط النظام لأن جماعتنا لحّموا بعض منذ الآن، فكيف غداً بعد انهياره». انطلاقاً مما سبق، اتّضحت الرؤيا. يؤمن عدد من قادة الجماعات الإسلامية الذين تواصلت معهم «الأخبار» بأن الانشقاق الحاصل يكاد يودي بالثورة، لا بل يحرف القضية عن مسارها بالمطلق. لذلك، فإن العمل يجري على لمّ الشمل لإعادة وحدة الصف وتوحيد البندقية. يُنسّق هؤلاء مع قيادات إسلامية عالمية معروفة في الخط الجهادي. وقد تُرجم ذلك، بإرسال عدد من الوفود، لكن ذلك لم يؤت أُكُله بعد.