افتتحت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك دورتها السنوية، حيث استحوذت الأزمة السورية على الجزء الأكبر من كلمات قادة العالم. وكانت أبرزها، يوم أمس، لأمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني والرئيس الأميركي باراك أوباما. ودعا أمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني إلى تدخّل عسكري عربي في سوريا لوقف النزاع هناك. وقال، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، «من الأفضل للدول العربية نفسها أن تتدخل، انطلاقاً من واجباتها الانسانية والسياسية والعسكرية، وأن تفعل ما هو ضروري لوقف سفك الدماء». واستذكر ارسال قوة الردع العربية إلى لبنان في العام 1976 لمحاولة انهاء الحرب الأهلية في ذلك البلد. وقال إن تلك الخطوة أثبتت فعاليتها وفائدتها. ورأى أنّ العنف المستمرّ في سوريا منذ 18 شهراً «وصل إلى مرحلة غير مقبولة»، مضيفاً أنّ الحكومة السورية لا تتردّد في استخدام كافة أشكال الأسلحة ضدّ شعبها.


وأكّد على ضرورة التدخل لأن جميع الجهود لإخراج سوريا من دائرة القتل لم تنجح، كما أنّ مجلس الأمن أخفق في اتخاذ موقف. وأكّد أن العالم العربي يعيش في هذه الأوقات تجربة شديدة الصعوبة، منذرةً بالمخاطر، ومبشّرة بالآمال في الوقت نفسه، مشيراً إلى أن الوضع في سوريا بلغ اليوم مراحل لا تحتمل.
كما حثّ أمير قطر «جميع الدول المؤمنة بقضية الشعب السوري على المساهمة في تقديم كافة أشكال الدعم لهذا الشعب حتى تتحقق مطالبه المشروعة». وشدّد على أنّه «برغم كل ما تعانيه منطقة الشرق الأوسط، فإن القضية الأساسية تظلّ القضية الفلسطينية واستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، في الضفة الغربية، وهضبة الجولان، ومزارع شبعا في جنوب لبنان، إلى جانب الحصار الخانق المفروض على قطاع غزة واستمرار اعتقال آلاف الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية».
وأشار إلى أن عملية السلام توقفت بسبب المواقف الإسرائيلية الحالية، التي تصرّ على المضي بسياسة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية والقدس ورفض التخلي عنها. وتساءل، في كلمته، «لماذا لا يفعل المجتمع الدولي شيئاً لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بقضية الشرق الأوسط؟، ولماذا لا يصدر مجلس الأمن قراراً تحت الفصل السابع يلزم إسرائيل بفك الحصار عن قطاع غزة ووقف الاستيطان وإعادة عملية السلام إلى مسارها الشامل وترك مسار الحلول الجزئية التي لم توصل إلى نتيجة؟. لا أجد لهذا التساؤل جواباً».
من جهته، جدّد الرئيس الأميركي باراك أوباما التأكيد على وجوب أن ينتهي نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وقال إنه ما زال الوقت متاحاً لحلّ قضية «النووي» الإيراني بطريقة دبلوماسية، لكن هذا «الوقت غير محدود».
وقال أوباما، في كلمته، «نجدّد القول إن على نظام بشار الأسد أن ينتهي لتنتهي معاناة الشعب السوري، ويبزغ فجر جديد»، مضيفاً أنه «لا يجب أن يكون المستقبل السوري لصالح ديكتاتور يقتل شعبه. علينا أن نؤكد أنّ ما بدأ بمطالبة المواطنين بحقوقهم لا يجب أن ينتهي بموجة من العنف الطائفي». وأضاف «علينا الوقوف مع السوريين الذين يعتقدون برؤية مختلفة. سوريا موحدة وشاملة، حيث لكلّ السوريين حقّ القول حول كيفية حكمهم من سنّة وعلويين وأكراد ومسيحيين».
كما تطرّق إلى الملف النووي الإيراني، وقال إن «العنف يحكم هناك، كما أن الحكومة الإيرانية تقوّض حقوق شعبها، هي تدعم ديكتاتوراً في دمشق ومجموعات إرهابية في الخارج». وأضاف أن طهران فشلت مجدداً في تأكيد سلمية برنامجها النووي وفي تطبيق التزاماتها في الأمم المتحدة، وقال «فلأكن واضحاً، إن أميركا تريد حلّ هذه القضية عبر الدبلوماسية، ونعتقد بأنه لا يزال هناك الوقت والمساحة للقيام بذلك. لكن هذا الوقت ليس غير محدود. نحن نحترم حقّ الشعوب بالحصول على طاقة نووية سلمية». وأشار إلى أنّ إيران مسلّحة نووياً ليس تحدياً يمكن احتواؤه، «هي ستهدد بإزالة إسرائيل، وأمن دول الخليج، واستقرار الاقتصاد العالمي. إنها خطر سيثير سباق تسلح نووي في المنطقة. ولهذا فإن الولايات المتحدة ستفعل ما عليها القيام به لمنه لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي». كما تطرّق أوباما إلى الفيلم الأميركي المسيء للإسلام والهجمات على السفارات الأميركية التي تبعته في مختلف الدول العربية، ووصفه بالمقزّز الذي أثار الغضب في أرجاء العالم الإسلامي. وقال «أوضحت أن ليس للحكومة الأميركية أية علاقة بهذا الفيديو. إنّه إهانة ليس للمسلمين فقط بل لأميركا أيضاً». وقال إن الهجمات على المدنيين الأميركيين في بنغازي كانت على الولايات المتحدة، مضيفاً «لا شكّ أننا سنواصل ملاحقة المنفذين»، واعتبر أنّه «هجوم على المثاليات التي تقوم عليها الأمم المتحدة». وأضاف «علينا أن نؤكد أن مستقبلنا يحدّده أشخاص مثل (السفير الأميركي في ليبيا) كريس ستيفنز وليس هؤلاء القتلة. فلا يوجد كلام يبرّر قتل الأبرياء. ولا يمكن لأيّ فيديو أن يبرّر الهجوم على سفارة. ولا مبرّر لأناس يحرقون مطعماً في لبنان، أو يدمرون مدرسة في تونس، أو يتسببون في موت ودمار في باكستان».
وأشار أوباما إلى أن واشنطن لم تسع ولن تسعى لإملاء نتائج التحولات الديموقراطية في العالم، وأكّد أن بلاده قدّمت الدعم للتغيير الحاصل في دول «الربيع العربي». وتحدّث عن عملية السلام في الشرق الأوسط، وقال «إن المستقبل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، يجب أن لا يكون ملكاً لمن يديرون ظهرهم للسلام. لنترك وراءنا من يتغذى على النزاع ويرفض حق إسرائيل بالوجود»، وأضاف أن الطريق صعبة، لكن الغاية واضحة وهي «دولة يهودية إسرائيلية آمنة، وفلسطين مستقلة ومزدهرة».
من جهته، اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، في كلمته، أنّ النزاع السوري «كارثة اقليمية لها تداعيات عالمية»، وطالب مجلس الأمن بالعمل على انهائها. وتابع بان «أنّ الوضع في سوريا يزداد خطورة يوماً بعد يوم وعلى المجتمع الدولي عدم تجاهل هذا الوضع، خصوصاً مع افلات العنف من السيطرة». وأضاف أنّ «خروقات وحشية لحقوق الانسان لا تزال ترتكب خصوصاً من قبل الحكومة، ولكن أيضاً من مجموعات المعارضة».
وقال بان «أدعو المجتمع الدولي إلى دعم جهود الأخضر الإبراهيمي بشكل حازم وملموس». وتابع الأمين العام للامم المتحدة «علينا أن نضع حداً لأعمال العنف وتدفّق الأسلحة إلى الطرفين، والعمل على حصول انتقال في أسرع وقت ممكن يقوم به السوريون أنفسهم». في سياق آخر، قال بان إنّ «الباب قد يغلق نهائياً» أمام حلّ الدولتين للصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وحذّر من أنّ استمرار توسّع المستوطنات يقوّض فرص إحلال السلام. وأشار إلى أنّ «حلّ الدولتين هو الخيار الوحيد المستدام، لكن ربما يغلق الباب إلى الأبد». وأضاف «إن النمو المستمر للمستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة يقوض بشدة جهود إحلال السلام. يجب أن نكسر هذا الجمود الخطر». ولفت بان إلى أنّه يرفض تهديد دولة لأخرى بالعمل العسكري، في إشارة على ما يبدو إلى التصريحات الإسرائيلية والإيرانية والأميركية الأخيرة.
(أ ف ب، رويترز، يو بي آي، قنا)