في الأمس كان يوم الجمعة، اليوم الديني عند المسلمين، بحيث يجتمعون في صلاة الجماعة عند الظهر، لذلك كان يوماً متوقعاً للغضب للنبي محمد على خلفية فيلم «براءة المسلمين» والصور الكاريكاتورية في صحيفة «شارلي إيبدو» المسيئين للإسلام، ورغم أنّ السفارات الغربية وضعت نفسها في حالة تأهب استعداداً لأي هجمات عليها من المحتجين الغاضبين وأغلقت مقارّها، ورغم الإجراءات الأمنية المشددة من قبل الدول المضيفة، فإن الأمور خرجت عن السيطرة في باكستان، بعدما أدت الاشتباكات وأعمال العنف الى مقتل 13 شخصاً.


وتظاهر عشرات الآلاف من الباكستانيين في أماكن متفرقة أمس، فيما أُحرقت أربع دور للسينما. وفي الحصيلة، قُتل أربعة أشخاص هم ثلاثة متظاهرين وسائق لقناة تلفزيونية باكستانية في صدامات مع الشرطة في بيشاور كبرى مدن شمال غرب باكستان، بينما قُتل تسعة آخرون بينهم شرطي في مواجهات في كراتشي كبرى مدن الجنوب.
من جهتها، دعت السلطات الباكستانية إلى الهدوء واستدعت أرفع دبلوماسي أميركي لديها لتطلب من واشنطن اتخاذ اجراءات فورية من أجل سحب فيلم «براءة المسلمين» من موقع «يوتيوب». وكانت السلطات قد أطلقت على هذا يوم الجمعة اسم «يوم عشاق الرسول» كي يتمكن الناس من التظاهر دفاعاً عن الاسلام وعن النبي. واستنفرت الأجهزة الامنية، خصوصاً في العاصمة اسلام آباد، حيث أُقيمت حواجز للحؤول دون شنّ أي هجوم على الحي الدبلوماسي الذي يضم سفارات أجنبية.
وقبل انطلاق التظاهرات، دعا رئيس الوزراء، رجا أشرف، الناس الى التظاهر بطريقة سلمية. وقال ان «التعرض للنبي هو تعرض لمعتقدات 1,5 مليار مسلم. وهذا أمر غير مقبول». وامتدت التظاهرات الى مدن اسلامية مختلفة رافقتها إجراءات أمنية مشددة. وفي صنعاء، تظاهر مئات اليمنيين، من دون ان يتمكنوا من الاقتراب من السفارة الاميركية التي تحميها قوات أمنية كبيرة.
وفي تونس، فرضت اجراءات أمنية مشددة في وسط العاصمة، حيث منعت حركة السير خلال النهار لمنع أعمال عنف أو تظاهرات خصوصاً أمام سفارة فرنسا. ودعا رئيس حركة «النهضة» الإسلامية، راشد الغنوشي، الى تشديد القبضة الأمنية والتصدي بالوسائل القانونية لمجموعات محسوبة على التيار السلفي الجهادي هاجمت الجمعة الماضية مقر السفارة السفارة الاميركية.
وفي القاهرة، تمركزت عشرات من آليات الشرطة حول السفارة الفرنسية. فيما دعت جماعة «أنصار الشريعة السلفية» في ليبيا الى التظاهر دفاعاً عن النبي محمد. لكن ناشطين يريدون التصدي لصعود المجموعات الاسلامية المتشددة في ليبيا دعوا من جهتهم، الى تجمع لإنقاذ بنغازي من التطرف والعنف.
وفي القدس المحتلة، تظاهر نحو مئة فلسطيني في ساحات الأقصى. فيما اعتبر الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد، أن الفيلم المسيء هو نتيجة مؤامرة اسرائيلية.
أما السفارات والمقارّ الدبلوماسية حول العالم، فقد أعطت تعليمات لموظفيها بالعمل من منازلهم، وبقيت في حالة تأهب واتخذت أقصى درجات الحيطة والحذر.
وقررت فرنسا اغلاق سفاراتها وقنصلياتها ومدارسها في نحو عشرين بلداً إسلامياً. فيما أعلنت الولايات المتحدة أنها اتخذت اجراءات مشددة لحماية كل بعثاتها الدبلوماسية والقنصلية في العالم، وأغلقت سفارتها في نيودلهي وأمرت موظفيها بالبقاء داخل حرم السفارة. كذلك أُغلقت السفارة البريطانية والمراكز القنصلية الالمانية في تونس.
من جهة ثانية، دعا ممثلو المسلمين في فرنسا الى عدم التظاهر احتجاجاً على الفيلم المسيء أو الرسوم الكاريكاتورية للنبي. وقال رئيس مجلس مسلمي فرنسا محمد موسوي لإذاعة فرنسا الدولية إن «أي تظاهرة في الوضع الحالي يمكن أن يجري التلاعب بها وألا تكون مثمرة». وتلا إمام مسجد باريس دليل رسالة تهدئة في خطبة الجمعة، بينما دعا امام مسجد ليون الكبير كامل قبطان الى عدم السقوط في الفخ.
وكانت السلطات الفرنسية قد منعت تظاهرتين مقررتين السبت قرب السفارة الأميركية والمسجد الكبير في باريس. كذلك حظر أي تجمع «يهدف الى مهاجمة المؤسسات العامة أو ممثليات المصالح الأميركية والبريطانية» في ليل.
وعُزّزت قوات الشرطة في بعض المواقع الاستراتيجية في العاصمة الفرنسية. وقال وزير الداخلية مانويل فال إنه «لا مكان في فرنسا للكراهية ولخطاب مغاير لقيمنا ولمهاجمة مبانٍ عامة لا علاقة لها بالرسوم التي نشرت».
وعمدت وزارة الخارجية الأميركية، من جهتها، الى التركيز على مواقع التواصل الاجتماعي والإعلانات التلفزيونية في محاولة لاحتواء حركة الاحتجاجات العالمية. وبدأت السفارة الأميركية في إسلام آباد هذا التحرك، عبر انتاج اعلان تلفزيوني مدّته 30 ثانية بُثّ على الشبكات السبع في باكستان في محاولة للفصل بين الحكومة الأميركية والفيلم المثير للغضب. وظهر في الإعلان كل من الرئيس باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون. كذلك بثت لقطات مجمعة لمواطنين أميركيين يدينون فيلم «براءة المسلمين».
(أ ف ب، يو بي آي، رويترز)