القاهرة | «يصبح من الأهمية بمكان إعطاء المستثمرين إشارات واضحة إلى أن القواعد قد تغيرت بما يضمن تكافؤ الفرص وبما يثبت للمصريين أن الفرص الممكنة ستكون للأغلبية وليس للأقلية». لم يصدر هذا التعليق عن حزب معبر عن يسار الوسط، كما قد يتبادر إلى ذهن البعض للوهلة الأولى، بل على العكس. العبارة مقتطفة من عرض عام للاقتصاد المصري من موقع البنك الدولي نفسه.

هذا الرأي ساد أيضاً في مؤتمر المجلس الوطني للتنافسية، الذي عقد قبل أيام. والأخير هو منظمة غير حكومية أسسها رجال أعمال وأكاديميون، «تسعى لدعم تنافسية الاقتصاد المصري». هذه المنظمة كانت قد أصدرت أول تقرير لها عن القدرة التنافسية لمصر في صيف 2004، وهو نفس العام الذي شهد بزوغ نجم السياسات الليبرالية الجديدة على يد مجموعة من الأكاديميين والوزراء المقربين من جمال مبارك، نجل الرئيس المخلوع، حسني مبارك، ولا سيما بعد تكليف أحمد نظيف برئاسة الوزراء.
وزير القوى العاملة الأسبق، أحمد حسن البرعي، وهو أستاذ للتشريعات الاجتماعية في كلية الحقوق ومحام لكبرى الشركات، وقف قبل أيام في المؤتمر ليصعق جمهوره المرفّه، محذراً في كلمته، التي لم تتعد دقائق قليلة، من ثورة اجتماعية يراها قريبة ويرونها بعيدة.
البرعي أكد لـ«الأخبار»، أن الثورة التي حذر منها «قد تأتي على الأخضر واليابس»، وذلك في اطار تعقيبه على كلمته التي أثارت استياء قطاع واسع من الحضور. وأوضح البرعي أنه أراد من جمهوره أن يعي ما تعنيه كل تلك الاحتجاجات الاجتماعية والاضرابات العمالية التي كست وجه البلاد، وأن ما حذر منه مسؤولون حكوميون قبل الثورة قد يتكرر مجدداً. وأضاف «يومها قلت إن الحرائق الاجتماعية، التي يجري إطفاؤها باستخدام القوة ضد العمال المحتجين والمضربين قد تتصل معاً في يوم ما وتخلق حريقاً ضخماً يتعذر اطفاؤه». ولفت إلى أن هذا «ما حدث لاحقاً في الثورة التي رفعت شعارات العيش والعدالة الاجتماعية».
حديث البرعي عن مقدمات لثورة اجتماعية، تكشف عنه مثلاً تقارير احصائية للاحتجاجات الاجتماعية تصدر دورياً عن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. آخر نشرات المركز رصدت «300 حالة احتجاج (في النصف الأول فقط من أيلول الحالي)، وهو أعلى معدل تم رصده في تقارير المركز نصف الشهرية منذ بداية العام الحالي وحتى الآن». وأغلب الاحتجاجات كانت «للمطالبة بتحسين الأوضاع المادية والوظيفية، والمطالبة بالتثبيت والتعيين».
ومن حيث الفئات المحتجة، قال تقرير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية «جاء الأهالي في المقدمة بـ93 حالة احتجاج، العاملون بالمصانع والشركات (61)، المعلمون (41)، العاملون بالهيئات الحكومية (38)، أعضاء هيئات التدريس والعاملون بالجامعات (15)، السائقون (11)، القطاع الطبي «أطباء وممرضون وفنيون» (10)، الطلاب (6)، أصحاب الأعمال الحرة، والضباط، والباعة الجوالون، والمرشدون السياحيون (3) لكل قطاع، أمناء الشرطة، والمرافقون السياحيون، وعمال التحميل بالمطارات وأئمة المساجد (2)، وحالة واحدة لكل من المحامين والصيادلة، والمضيفون الجويون، والصيادون، وموظفو مجلس الشعب».
إلا أن اللافت حقاً هو ما لم يرصده المركز. اذ تسللت الاحتجاجات إلى حيث لم يجرؤ أحد من قبل على تخيله: الجيش. العاملون المدنيون في شركة النصر للكيماويات الوسيطة، نظموا إضراباً عن العمل في مصانع الشركة السبعة واعتصاماً أمام مقر رئاسة الجمهورية. النصر للكيماويات الوسيطة، هي إحدى شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بالقوات المسلحة، وهو الجهاز المشرف على المشروعات الاقتصادية للجيش التي أصبحت محوراً للجدل العام بعد الثورة على خلفية المطالب باخضاعها للرقابة الشعبية والبرلمانية وصولاً الى فصلها عن وزارة الدفاع.
العاملون في الشركة طالبوا للمرة الأولى في تاريخ مصر بإقالة مدير جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، اللواء منير لبيب، كونه «غير متوافق مع روح ثورة 25 يناير»، حسبما نص بيان صادر عنهم. كما طالبوا بإلغاء انتداب جميع الضباط والاكتفاء بمدير واحد من العسكريين لكل قطاع.
المفارقة أن هذه الذروة بلغتها الحركة العمالية، بالرغم من تعهد الاتحاد العام للعمال، في مقابلة مع رئيس الجمهورية محمد مرسي، بوقف الاضرابات لمدة سنة كاملة، رغم أن الاتحاد، الذي يعد الجهة النقابية الرسمية ويتمتع بالدعم الحكومي في مقابل دوره الفعلي كذراع عمالي للسلطة، لم يشارك أصلاً في أي اضراب منذ تأسيسه في العام 1957 إلا مرتين.
وكان الاتحاد، الذي أصدر القضاء بعد الثورة حكماً بابطال انتخاباته، قد بلغ بموالاته للسلطة حد تأجيل الاحتفال بعيد العمال في العام 2010 خصيصاً الى حين تماثل الرئيس المخلوع حسني مبارك للشفاء من وعكة صحية ألمت به وقتها.
ناجي رشاد، عضو المجلس المؤقت لادارة الاتحاد، أكد لـ«الأخبار» أن ما صدر عن رئيس الاتحاد الحالي، أحمد عبد الظاهر، في اجتماعه مع مرسي، لم يكن تعهداً، وإنما «مبادرة لوقف الاضرابات في مقابل خارطة طريق لتفعيل المطالب العمالية العاجلة من قبيل تعيين العمالة المؤقتة وعودة المفصولين». وأوضح أن «الإعلام أبرز الجزء الأول فقط في المبادرة (وقف الاضرابات)، ما ساهم في استخدام رئاسة الجمهورية استمرار الاضرابات ذريعة لعدم الوفاء بالجزء الثاني من الاتفاق، الذي لم يظهر أن أحداً قد التفت إليه أصلاً».
وشكلت الحركة العمالية في السنوات القليلة قبل ثورة 2011 إحدى الارهاصات الأهم لتلك الثورة. فبعدما كانت الاحتجاجات ضد نظام الرئيس المخلوع تقتصر على المئات من النشطاء السياسيين، الذين يسهل محاصرة احتجاجاتهم وتظاهراتهم الصغيرة من قبل صفوف متراصة من جنود مكافحة الشغب ــ الأمن المركزي ــ في دوائر صغيرة، جاء صعود الحركة العمالية ليشير إلى انضمام الملايين للاحتجاجات المتواصلة التي افضت الى سقوط النظام.




انتفاضات عمالية

في كانون الأول من العام 2006 نظم نحو 24 ألفاً من عمال شركة مصر للغزل والنسيج في مدينة المحلة الكبرى، التابع للدولة، إضراباً ناجحاً عن العمل. وبعدها تبدلت حال الحركة العمالية تماماً، لتتصدر الحراك العام الى حين اندلعت الثورة. ومرت تلك الحركة بمحطات هامة، اذ نظمت شركة مصر للغزل والنسيج مجدداً اضراباً في أيلول من العام 2007، وأضرب جباة الضرائب العقارية في كانون الثاني من نفس العام. وأفضى الاضراب إلى تأسيس أول نقابة مستقلة في مصر منذ تأسيس الاتحاد العام للعمال الموالي للدولة في خمسينيات القرن المنصرم، قبل أن تتفجر انتفاضة مدينة المحلة في نيسان من العام 2008 على إثر احتواء تهديدات وزارة الداخلية لاضراب كان يعتزم عمال الشركة تنظيمه وقتها. وهي الانتفاضة التي أسقطت صور مبارك (الصورة) للمرة الأولى، وصولاً إلى اقتحام عمال محتجين على تصفية مصنعهم لمبنى البرلمان في أيار من العام 2010.
وبعدها بأشهر، نظم عمال مصر أكبر عدد من الاضرابات في تاريخ البلاد خلال ثلاث أيام فقط كانت الأيام الأخيرة في عهد مبارك، مطالبين بسقوطه بمجرد أن تقلصت ساعات حظر التجول في محاولة لاعادة الحياة للنظام عبر إعادة عجلة العمل.