«ما حك ظفرك مثل جلدك»، هكذا هي حال الشعوب، التي نفضت عنها غبار الذل، وقررت أن تثور على أنظمتها القمعية على امتداد العالم العربي. سنون مليئة بالقهر والحرمان والتمييز والتعذيب والتسلط عاشتها الشعوب المستضعفة من قبل الأنظمة المستبدة التي ثبتت كراسيها برعاية وحماية الدول العظمى المهيمنة على العالم؛ فلم يكن معمر القذافي إلّا صديقاً مقرباً، وحسني مبارك إلا حاكماً حكيماً، وهكذا بقية الحكام الطغاة. وحالما تغير الحال بفضل الثورة وقوة الإرادة وتضحيات الشعوب، تبرّأ الذين اتبِعوا من الذين اتبَعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب. دوائر القرار السياسي ذاتها اليوم، التي تصور نفسها راعية وداعمة لحق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار أنظمتها، وتساند الثوار بالخيل والرجال لتحقيق هذه الأهداف السامية، لا تزال على النهج القديم نفسه والرهان الخاسر بدعمها لأعتى أنظمة العالم تخلفاً واستبداداً ورجعية: الخليفي (في البحرين) والسعودي.


وليس المشهد السوري إلا شاهداً على هذه الحقيقة، إذا ما نظر المراقب إلى الموقف الغربي هناك عبر نافذة المشهد البحريني ليرى بأم عينه كيف تتبلور المواقف، وأين يتحركون وأين يصمتون ولماذا؟ وفي ما يلي 6 وقائع يجدر التوقف عندها في ما يتعلق بالموقف الغربي من قضيتي سوريا والبحرين ومستقبل الشعبين والنظامين، في ظلّ التعامل بمكيالين والحديث بوجهين، وذلك لتحديد الجهة التي تُولّى إليها الوجوه عند المشرقيين أو المغربيين.
أولاً: في سوريا، تواجه الأنظمة الغربية النظام بأعلى المستويات لتثبيت «الديموقراطية» ومساعدة الشعب المظلوم؛ فيتواجه النظام السوري ويتصارع مع الإرادة الدولية الرافعة لشعار (الديموقراطية... الديموقراطية)، بينما في البحرين، تواجه الجهات الدولية نفسها الشعب لا النظام لتثبيت الديكتاتورية الخليفية، فقلمّا تهدّد الجهات السياسية، لا الحقوقية، أو تندّد أو تدين أو ترفض ممارسات الخليفيين بحق الشعب البحريني، الذي يطالب بالديموقراطية. وفي المقابل لا يتوقف التأكيد والتشديد على أن نظام العائلة الخليفية حليف استراتيجي «ندين له ونذود عن حياضه».
ثانياً: كل الوسائل مبرّرة عند الساسة الغربيين لفرض الديموقراطية في سوريا، لذلك يُمنح كل الحق في التمرّد المسلّح للوصول إلى هذا الهدف، ويقدّم الدعم اللوجستي لهذا الخيار، ويكون السعي من أجل فرض حظر جوّي أو تدخل عسكري لمساعدة الشعب السوري. وفي البحرين، من أكبر المحرمات على الشعب الأعزل أن يقاوم أو يحرق إطاراً أو يرمي حجراً أو يتصدى للرصاص بالزجاجات الحارقة. وكلما زار مندوبٌ أميركي أو بريطاني البحرين دان العنف وطالب المعارضة بإدانة العنف وأيد الإجراءات الأمنية في البحرين للتصدي للعنف، من خلال اقتحام المنازل على نحو يومي واعتقال الأطفال وضرب النساء وانتهاك حرمة المقدسات ووضع نقاط التفتيش وممارسة التعذيب وتجنيس القوات المنضمة إلى السلك الأمني وفصل الطلاب والموظفين ومحاكمة النشطاء والمعارضين. وكل هذه الإجراءات ضدّ الشعب الأعزل هدفها حماية النظام الخليفي وتثبيت الديكتاتورية.
ثالثاً: في سوريا، يتكون الجيش من مواطنين سوريين، وهو الذي يتواجه مع التمرّد المسلح، ويخوض الجيش بعض معاركه في الأراضي السورية مع جنسيات مختلفه عربية وإسلامية، بينما في البحرين يقمع عناصر الأمن والجيش الخليفي المكوّن في أغلب أفراده وقياداته من مجنسين مرتزقة، كثير منهم لا يتحدث اللغة العربية. وهؤلاء المرتزقة المجنسون هم من يقومون بقمع المواطنين، وبحماية من الجيش السعودي، وأمام ناظر الأسطول الأميركي الخامس في الجزيرة الصغيرة. ويقود الأجهزة الأمنية الخليفية، وعلى نحو رسمي ومعلن، ضباط استخبارات بريطانيون وأميركيون، مثل جون ييتس وجون تيموني.
رابعاً: في سوريا يمنع النظام الغربي أي تسوية سياسية أو حوار أو تواصل مع النظام السوري، لأن ذلك يتنافى مع هدفهم في فرض الديموقراطية، ويضع نقطة آخر السطر. وفي البحرين تمارس الضغوط الدولية بأقصى درجاتها على المعارضة من أجل الدخول في حوار مشروط من طرف واحد يتمثل في إبقاء رئيس الوزراء الخليفي الذي شغل هذا المنصب لأكثر من 40 عاماً، وإبقاء رموز المعارضة الآخرين في السجن والتنازل عن محاكمة القتلة والمعذبين وإدانة العنف. والأكثر من هذا كله، بقاء الجيش السعودي «كجيش احتلال» لتثبيت الديكتاتورية.
خامساً: في البحرين، توجد ثورة شاركت فيها النسبة الأكبر من الشعب، من بين كل ثورات الربيع العربي. وهذه الثورة قُمعت بواسطة الجيش، رغم سلميتها بعد انطلاقها في 14 شباط 2011، وبشهادات كل وكالات الأنباء العالمية دون استثناء، كما جرى إرسال جيوش عربية لقمع الثورة، وعلى رأسها السعودية، وهو ما يضعها في موقع المحتل. ومن فظائع الجرائم التي ارتكبت بحق العزل: هدم المساجد واحتلال المستشفيات واعتقال الأطباء والأطفال والنساء والتعذيب إلى حد الموت في السجون.
المفارقة أنه في سوريا، فإنّ أكثر الأنظمة استبداداً وقمعاً وفساداً، بحسب لوائح الدول الغربية، تتصدر قائمة الدول الداعمة لحق الشعب السوري في تقرير مصيره. السعودية تحتل البحرين لتثبيت الديكتاتورية وترسل قواتها على الحدود السورية وتدعم الكفاح المسلح لفرض الديموقراطية، والضحية في كلا البلدين هو الشعب.
سادساً: في سوريا حرب محتدمة بالوكالة بين القوى المناوئة للغرب وسياسات الولايات المتحدة، وعلى رأسها إيران وروسيا، وبين أميركا وحلفائها الغربيين والعرب، ووقودها دماء السوريين وأرواحهم، ورأس مالها أموال النفظ الخليجي. وفي البحرين كذلك، لكن الفرق في تلك الجزيرة الوادعة أنه لا توجد حدود يتدفق منها المناصرون، ولا أسلحة يدافع بها المواطنون، ولا قواعد عسكرية إلا للنظام الخليفي المدعم بجيوش دول أخرى، لذلك يتكبد البحرينيون الخسائر ويدفعون التضحيات من جهة واحدة. وفي كلا البلدين «كلٌّ يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقرّ لهم بذاك».
تناقضات يراها الغرب المهيمن عين الصواب معتقداً أنها تجتمع متمخضة عن استقرار وهيمنة اقتصادية وسياسية وأمنية لمصالحه، وليست سوريا المجاورة للكيان الصهيوني والبحرين الواقعة في قلب المشيخة الخليجية والمقابلة لإيران المستهدفتين في عيون الغرب، بل إنّ دائرة التآمر تتربص بجميع الشعوب العربية الأخرى بآليات متعدّدة تتناسب مع طبيعة الموقع والأهمية.
في الوقت الذي تتآمر فيه دوائر القرار السياسي على حقوق الشعوب وآمال الثورات، فإن هذه الحقوق والآمال هي الأخرى مصدر خطر للنظام الوراثي القبلي الرجعي في السعودية ولا يمكن أن يدعمها إلا بهدف احتوائها أو القضاء عليها بحجة حمايتها لسببين أساسيين: الأول أن النظام السعودي نفسه نظام ديكتاتوري يخشى حد الغشية أن تنتقل حمى الثورات إلى وسطه. الأمر الثاني أن ركائز الحكم السعودي شيدت بدعم وغطاء غربي، لا شعبي أو ديني كما يُصور، لذلك فإن مصالحه تتقاطع مع القوى الغربية. ولن يصح التعامل مع هذا التناقض بسلوك ثوري متناقض بذريعة الاستفادة وتقاطع المصالح مع الحفاظ على المبادىء والأهداف، لأن ذلك لن يكون إلا بداية تبددها. وبالتالي، لا يمكن لأي من الثورات العربية أن تحقق أهدافها مستعينة بإمكانيات هذه الدوائر المتآمرة أصلاً على أهداف الثورات.
(ناشط سياسي بحريني)