الدار البيضاء | تعددت التأويلات لآخر المستجدات في قضية الصحراء، بين من يعتبر تمسّك الأمم المتحدة بمبعوثها السابق إلى المنطقة، الدبلوماسي الأميركي كريستوفر روس، بأنه انتصار لطرف على آخر، ومن يرى في الموضوع مجرد عقبة تمت إزاحتها لتستأنف المفاوضات مجراها رغم ما شابها من تعثر منذ أن انطلقت تحت رعاية هذا المبعوث الأممي قبل ثلاث سنوات.

وأكد الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، في اتصال هاتفي مع العاهل المغربي الملك محمد السادس، أن المنظمة لا تعتزم إدخال أي تغييرات على مهماتها في مجال الوساطة الرامية إلى إيجاد حل سياسي لنزاع الصحراء موافق عليه من كل الأطراف. واكتفى بيان صادر عن الديوان الملكي في الرباط بالتأكيد على أن بان كي مون أبلغ الملك أن المبعوث الأممي سيضطلع بمهماته ضمن الإطار المحدد له من قبل مجلس الأمن الدولي من أجل تحقيق تقدم في تسوية نزاع الصحراء، وبالتالي المساهمة في إقامة علاقات ثنائية مستقرة مع الجزائر.
وكان ورود هذه العبارة كافياً لتصف وسائل الإعلام المغربية التطور الأخير بأنه انتصار جديد للدبلوماسية المغربية التي سبق لها أن أعلنت، من جانب واحد، سحب الثقة من الوسيط الأممي، مطالبةً الأمم المتحدة بتغييره لأنه لم يعد محايداً في نظرها. الطلب المغربي لم ينل موافقة الامم المتحدة، لكن تفادياً للإحراج أمام الرأي العام المغربي، لم يشر بيان الديوان الملكي إلى تجديد الثقة بروس، مكتفياً بالإشارة إلى استمرار الوسيط الأممي في مهماته بالصفة فقط وليس بالاسم.
من جانبها، اعتبرت جبهة البوليساريو ما تحقق بمثابة نصر لها، وهو ما حاولت أن تبرزه بعض الصحف الجزائرية الداعمة للجبهة التي تطالب باستقلال الإقليم المتنازع عليه مع المغرب.
«حرب النقاط» بين المغرب وجبهة البوليساريو، والتي استمرت منذ وقف إطلاق النار بين الطرفين عام 1991، دخلت مرحلة جديدة، لكنها لن تكون المرحلة الحاسمة. فقد دأب الطرفان منذ أن وافقا على الجلوس إلى طاولة المفاوضات على محاولة كل طرف كسب نقاط لصالحه مع كل جولة من المفاوضات.
والحراك الدبلوماسي، الذي يشهده الملف الآن، يدخل في سياق سعي كل طرف لتسجيل نقاط جديدة لصالحه قبل استئناف جولات المفاوضات التي توقفت قبل خمسة أشهر، وأيضاً قبل صدور التقرير الدوري الجديد حول القضية من قبل مجلس الأمن، تمهيداً لانعقاد اجتماع لمناقشة القضية أمام الجمعية العامة للامم المتحدة.
فعلى أثر صدور آخر تقرير عن مجلس الأمن خاص بالقضية، اتهم المغرب حينها كريستوفر روس بصياغة مضامين مسوّدته الأولى التي تضمنت اتهاماً للرباط بعرقلة عمل البعثة الدولية في الإقليم والتجسس عليها، وتطالب بتوسيع مهماتها لتشمل مراقبة حقوق الانسان.
وحسب ما كشفته وسائل الإعلام المغربية في ما بعد، فإن إقدام المغرب على سحب ثقته من كريستوفر روس جاء بناءً على تقارير ميدانية من الإقليم كانت تتوقع استغلال أنصار الاستقلال زيارة المبعوث الأممي لإثارة «الفوضى والتخريب».
من جهة أخرى، سجل المغرب نقاطاً لصالحه في سياق مواجته مع البوليساريو، إثر زيارة وفد حقوقي أميركي بقيادة رئيسة مؤسسة روبرت كينيدي، كيري كينيدي، إلى الإقليم الذي تعتبره البوليساريو محتلاً.
فبعكس ما كانت تتوقع البوليساريو، مرت زيارة الوفد في ظروف عادية، ولم تشهد مدن الإقليم ما كانت تتوقعه البوليساريو من انتفاضات شعبية تطالب بالاستقلال عن المغرب. وقد يكون المغرب رأى في هذا «الاختبار» انتصاراً معنوياً يساعده على تحقيق انتصار أكبر عندما يقرر روس زيارة الإقليم.
وتأتي زيارة روس المرتقبة للإقليم، وزيارة وفد مؤسسة كينيدي، في إطار السعي لإقناع مجلس الأمن بمنح بعثة (مينورسو) تفويضاً أوسع لمراقبة وضع حقوق الإنسان في الإقليم، وهو المطلب الذي تتبنّاه البوليساريو ويعارضه المغرب.
إنها «حرب تسخينات» دأب عليها كل طرف، تحسباً لمرحلة الحسم التي يخشاها ويتجنّبها الطرفان.