قبل يومين، تعرض وزير النقل اليمني، واعد باذيب، لإطلاق نار أثناء وجوده داخل سيارته في عدن فنجا من محاولة الاغتيال. ربط البعض بين ما تعرض له وبين القرار الذي اتخذه قبل الحادث بساعات والقاضي بفسخ عقد تأجير ميناء عدن لشركة موانئ دبي العالمية، لكن محاولة الاغتيال التي تعرض لها الأمين العام للحزب اليمني الاشتراكي، ياسين سعيد نعمان في ساعة متأخرة من ليل أول من أمس، أثارت تساؤلات عما إذا كان مسلسل تصفية الشخصيات المنحدرة من جنوب اليمن قد عاد إلى البلاد من جديد، في تكرار لسيناريو ما بعد إعلان الوحدة عام 1991.


تفاصيل محاولة اغتيال نعمان تشير بوضوح إلى أن من يقف خلف العملية يتمتع بثقة كبيرة جعلته لا يخشى الإقدام على هذه الخطوة. وفي التفاصيل، أن مجهولين يرتدون زيّ الشرطة اليمنية استحدثوا نقطة عسكرية وأوقفوا سيارة نعمان، فوجئ على أثرها الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني بمحاولة المسلحين اقتحام سيارته. لكنه حين شعر بأن وراء ذلك كميناً، قاومهم وطلب من سائقه الفرار، قبل أن يطلق المسلحون النار في محاولة لإيقاف السيارة من دون أن ينجحوا في ذلك.
ويعدّ نعمان من أكثر الشخصيات الجنوبية قبولاً في الشارع اليمني، ولا يقتصر دوره داخل أحزاب اللقاء المشترك، بل اختير ليكون من بين أبرز السياسيين المكلفين للإعداد للحوار الوطني. ولعل أهمية دوره ورمزيته اختصرته الكاتبة اليمنية نبيلة الزبير، على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» بقولها «إن بقاء ياسين في المشهد السياسي، وفي المشترك (تكتل أحزاب المعارضة) ومن داخل العاصمة هو بمثابة الشعرة التي بقيت من الوحدة ومن أمل استمرارها». ولذلك، فإن محاولة اغتيال نعمان تحمل أكثر من دلالة، وهو ما جعل البعض يتريث في توجيه أصابع الاتهام نحو جهة محددة.
عضو المكتب السياسي في الحزب الاشتراكي اليمني علي الصراري، وضع ما تعرض له نعمان في إطار حال الانفلات الأمني القائم في البلاد، والذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحالة الانقسام في المؤسستين الأمنية والعسكرية.
وفيما تحفّظ على توجيه اتهام لطرف دون آخر بالوقوف وراء المحاولة، أكد الصراري على ضرورة تشكيل لجنة تحقيق في العملية. واعتبر، في حديث لـ«الأخبار»، أن بعض الدوائر في النظام السابق تدفع نحو الانفلات الأمني لأنها تعتقد أن هذا الوضع يمكن أن يتيح لها تحقيق أهدافها إذا ما فشلت عملية التسوية. وفي السياق، لم يستبعد الصراري أن يكون الهدف مما تعرض له نعمان هو الضغط على الحزب الاشتراكي اليمني. وأوضح أن كثيرين في اليمن لا ينظرون إلى دور الحزب الاشتراكي بارتياح، وخصوصاً أن الدور الذي يقوم به الآن إيجابي، ورأى أن بعض الأطراف لا يعجبها هذا الدور.
من جهته، أوضح الباحث اليمني عبد الغني الماوري، لـ«الأخبار»، أنه «كان من المتوقع أن تحصل عمليات استهداف لشخضيات بارزة، ومن بينها نعمان». مع ذلك، أبدى تحفظاً حول تحديد هوية الفاعل لأنه على حد قوله «شخصية نعمان بحد ذاتها تجعل أطرافاً عدة ذات مصالح متعارضة تلتقي عند ضرورة التخلص منه».
وتحدث الماوري عن فرضيتين رئيسيتين، الأولى تشير إلى وقوف جماعة الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح وراء الحادثة، على اعتبار أن اغتيال نعمان كان كفيلاً بقلب المشهد السياسي رأساً على عقب، ويؤدي إلى إحداث فوضى، وعندها «قد تكون الظروف مهيأة لظهور المنقذ صالح». ولفت إلى أن الأخير لا يزال يملك القدرة على تقديم نفسه بهذا الدور، ولا سيما أن العديد من مؤسسات الدولة لا تزال خاضعة لسيطرة أقاربه ونفوذهم.
أما الفرضية الثانية، فتكتسب مشروعيتها من أن استهداف نعمان قد يكون يهدف إلى تسريع فك الارتباط. إذ إن قتل نعمان، وحتى اغتيال شخصيات جنوبية معروفة باعتدالها، وانفتاحها على مختلف مكونات المجتمع اليمني، من شأنه أن يعزز من تصلب مواقف الرافضين للإبقاء على الوحدة. ولفت إلى أن ما يحصل من أحداث في صنعاء انعكاسه في الجنوب وعدن تحديداً. وأوضح أنه «لو ضرب شخص في الجنوب، فإن الجهات التي ستتهم عديدة، السلطة ستكون أحد أطرافها وليس الطرف الوحيد. أما أي حادثة أمنية تسجل في الشمال، فإن المتهم الوحيد في هذه الحالة هو دوائر في السلطة». وقد استعاد اليمنيون سريعاً، بعد حادثتي نعمان وباذيب، الأحداث التي مر بها اليمن بعد الوحدة، وتحديداً الفترة التي سبقت اندلاع حرب 1994، حيث سجلت فيها العديد من محاولات الاغتيال التي تعرضت لها الشخصيات الجنوبية فاقت في عددها الـ 25، بينها محاولة اغتيال وزير العدل في ذلك الحين، عبد الواسع سلام، والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي علي صالح عباد مقبل، فضلاً عن شخصيات أخرى تمت تصفيتها.
ونبه الماوري إلى أن من يقف وراء محاولة اغتيال نعمان قد يكون يريد أن يدفع اليمنيين إلى التفكير بهذا الاتجاه، بالرغم من عدم صحته. وذكّر بأن النظام في صنعاء خلال تلك الفترة كان يسهل للجنوبيين، ممن لديهم ثارات على خلفية الأحداث الدامية التي شهدها الجنوب عام 1986، بتصفية خصومهم، ليسمح لنفسه في نهاية المطاف بالتفرد بالسلطة. لكن الصراري تحفظ على هذه الفرضية، معتبراً أن الوضع الآن يختلف عن الوضع الذي عاشه اليمن بعد الوحدة، حيث كانت هناك أزمة حقيقية بين طرفي الحكم سهلت الأحداث التي وقعت. وأوضح أن الإرادة السياسية للحكم الآن تقف ضد هذا الانفلات، لكنه شدد على ضرورة اتخاذ خطوات كفيلة لوضع حد له.
وهو ما أيده فيه الماوري، الذي أكد على ضرورة أن يدرك عبد ربه منصور هادي أنه الرئيس الفعلي للبلاد، لافتاً الى أن هادي إذا كان لا يمتلك الأدوات التي يحقق من خلالها التغيير وأهداف الثورة فإنه لا قيمة له. وأوضح أنه لا يمكن أن يأتي رئيس ليعمل مع أشخاص كان حتى وقت قريب يتلقى الأوامر منهم عندما كان يتولى منصب نائب الرئيس.




خيارات هادي


يجمع المحللون اليمنيون على اعتبار أن الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي (الصورة)، يمتلك خيارات محدودة للتعامل مع الوضع الراهن في اليمن. ويرى هؤلاء أن هادي يعتمد على تكتيك التغيير التدريجي، ولا يريد أن يقدم على تغيير الرؤوس على نحو مباشر، على غرار ما قام به الرئيس المصري محمد مرسي في مصر. وهو ما سيؤدي إلى أن تأخذ عملية التغيير وقتاً طويلاً، وخصوصاً أنه بدأ بعمليات تفكيك الوحدات والألوية التي تتبع لكل من اللواء المنشق علي محسن الأحمر، ونجل صالح، أحمد علي، لجعلهما قائدين محدودي الحركة.
هذه الاستراتيجية تبدو غير مفيدة في ظل التطورات الأمنية الراهنة، وخصوصاً أنها لا تحسم الأمور في البلاد. وهو ما دفع إلى بروز دعوات جديدة تطالب هادي بالعمل على توحيد الجيش فوراً تحت إمرته، وإقالة جميع القادة المعرقلين، فضلاً عن اتخاذ إجراءات واضحة وصريحة تشعر المواطن بالتغيير. وبالتزامن، تصاعدت الدعوات إلى إحداث تعديل وزاري فوري، لأن الحكومة الحالية مشلولة ولا يمكن أن تستمر على هذه الحال، وخصوصاً أن هذه الحكومة تلقى على عاتقها مسؤولية إدارة الفترة الانتقالية.