تونس | ترددت أنباء عن إطلاق سراح السلفيين الأربعة المتهمين بالاعتداء على المشاركين في مهرجان الأقصى في مدينة بنزرت شمال تونس، آخر شهر رمضان. وهو الاعتداء الذي أحال مجموعة من الحقوقيين على المستشفى. كذلك تناقلت الصحف أنباءً عن حملات تمشيط تقوم بها وحدات الأمن في منطقة سليانة في الشمال الغربي المعروفة بتضاريسها الجبلية بحثاً عن سلفيين شوهدوا حاملين لأسلحة.

وعلى الرغم من عدم تأكيد وزارة الداخلية خبر إطلاق السلفيين، إلا أن مثل هذه الأنباء تؤكد مخاوف التونسيين من تحرك عنيف قد تقوم به مجموعات سلفية. فبعد أسابيع من الهدنة، يبدو أن المجموعات السلفية عادت إلى عرض قواها، وهو ما أكدته أحداث بنزرت وقابس جنوب تونس، ما يطرح تساؤلات كبيرة عن علاقة «النهضة» كحزب حاكم بالسلفيين.
الثابت أن الموقف من السلفيين يثير خلافات داخل حركة النهضة. رئيس الحركة راشد الغنوشي، يسعى إلى احتوائهم وتحييدهم، وكذلك رئيس الحكومة، الأمين العام للحركة حمادي الجبالي. هذا الطرح الذي يسانده عدد كبير من قيادات النهضة منطقي بالنسبة إلى حزب سياسي إسلامي لا يريد أن يخسر قاعدته الانتخابية ويمثل فيها السلفيون رقماً مهماً، فيما تكشف تصريحات وزير الداخلية القيادي في الحركة علي العريض، عن موقف معاكس تماماً. وهدد العريض أكثر من مرة بأن «صبر الدولة بدأ ينفد»، مشيراً إلى أن القانون سيطبق على الجميع. ويعتقد عدد من قيادات النهضة أن التعامل الصارم مع السلفيين سيعزز موقف الحركة لدى شركاء تونس، ولا سيما الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية. وقد عبّر عدد من المسؤولين الأوروبيين، الذين زاروا تونس أخيراً، عن عدم ارتياحهم للاستعراضات التي ينظمها السلفيون، بما يهدد استقرار تونس، نافذة أوروبا الأساسية على أفريقيا. وهو الخوف الجزائري نفسه. فالجزائر تخوض منذ سنوات حرباً مرهقة مع المجموعات المنتمية إلى القاعدة في بلاد المغرب العربي.
موقف وزير الداخلية المتشدد تجاه المجموعات التي قد تلجأ إلى العنف، يلاقيه فيه عبد الفتاح مورو، الشخصية الإسلامية البارزة، الذي قال، في تصريحات لـ«بي بي سي»، إن قطر والسعودية تدعمان مجموعات سلفية متشددة مذهبياً، ما يهدد استمرارية المذهب المالكي المتسم بالاعتدال والوسطية، والذي تتبناه غالبية الشعب التونسي.
في المقابل، يُعَدّ موقف الرئيس السابق لحركة النهضة، الصادق شورو، إلى جانب الشيخ الحبيب اللوز، الأقرب إلى السلفيين والداعم للدولة الدينية التي تطبق الشريعة الإسلامية. وهو المبدأ الذي تتبناه كل المجموعات السلفية، وأهمها «أنصار الشريعة» مع حزب التحرير وحزبي جبهة الإصلاح والرحمة. وجميع هذه التيارات تعادي علناً النظام الجمهوري والدولة المدنية. وقد شنّ بعض خطباء عيد الفطر هجوماً عنيفاً على حركة النهضة التي اتهموها «بعدم جديتها في تطبيق الشريعة الإسلامية والحكم بشرع الله». ويبدو أن إقرار المؤتمر التاسع لحركة النهضة، المنعقد الشهر الماضي، بتنظيم مؤتمر استثنائي بعد سنتين، يكشف عن عمق الخلاف وعن الخوف من تصدع الحركة؛ إذ إن أغلب القيادات تعمل على إظهار الحركة بمظهر الحزب المدني السياسي، لا الدعوي الديني. وهو ما يرفضه الجزء الكبير من قواعد النهضة المتشبثين بالطبيعة الدعوية للحركة.
العلاقة بين السلفيين والنهضة ملتبسة، ولا يمكن الجزم باتجاهها. النهضة تعيش حالة تجاذب بين الاستحقاقات الوطنية والالتزامات الدولية من جهة، والحاجة إلى السيطرة على قواعدها، بمن فيهم السلفيون القريبون منها على الأقل، في انتظار الانتخابات المقبلة، التي قد تدخلها النهضة في جبهة إسلامية. وهناك من يرجح أن تحركات السلفيين في الفترة الأخيرة جرت بإشارة من بعض قيادات النهضة للتغطية على عجز الحكومة في تلبية المطالب الاجتماعية. أصحاب هذا الرأي يدلّون على صحة اعتقادهم بتساهل وزارة الداخلية مع السلفيين. ويذهب آخرون إلى القول إن السلفيين مخترقون من بقايا النظام السابق الذين يدفعونهم إلى هذه الاستعراضات لتنغيص الحياة اليومية التونسية ودفع المواطن العادي المستهدف في حريته إلى الاقتناع «بخطأ» الثورة.
هذا الرأي كان سائداً أيضاً قبل الانتخابات لدى أغلب الأحزاب السياسية، مثل «المؤتمر من أجل الجمهورية» و«حزب العمال» و«حركة الوطنيين الديموقراطيين» و«التكتل من أجل العمل والحريات». وهؤلاء كانوا يرون أن السلفيين مجرد شماعة يستعملها بقايا النظام المُطاح. لكن ذلك لم يمنع التونسيين من طرح تساؤلات من قبيل «ماذا عن المواجهات التي حدثت في سليانة في ربيع العام الماضي، وفي بئر علي بن خليفة وسط البلاد في الربيع الماضي؟». وماذا عن المجموعات المحملة بالسلاح التي طاردتها قوات الأمن والجيش أقصى الجنوب التونسي على الحدود مع ليبيا في اكثر من مناسبة؟