القاهرة | ساعات ويدخل الرئيس محمد مرسي أول اختبار حقيقي لمدى إيمانه بأبسط مبادئ الديموقراطية التي تكفل لكل مواطن حق التعبير عن رأيه، ولو كان هذا الرأي ضد مرسي وجماعته. فالمصريون على موعد غداً الجمعة مع مليونية «24 أغسطس» أو «ثورة الفلول» أو «ثورة الغضب الثانية»، رغم أن الداعين إلى المليونية لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، وأن دعوتهم لم تجد صداها عند غالبية التيارات والقوى السياسية المختلفة. وأعلنت جميع الأحزاب المصرية المعروفة عدم مشاركتها في تلك التظاهرات، ما عدا حزب التجمع اليساري. كذلك شددت معظم الحركات الثورية على مقاطعتها لتلك الدعوة، مبررةً موقفها بأن الوقت لا يزال مبكراً لتقويم تجربة مرسي، بالرغم من أن الدعوة إلى التظاهر قابلها مرسي وجماعته بنفس طريقة مبارك ونظامه في التعامل مع معارضيه. فاتُّهم الداعون إلى التظاهرة بالتخوين وحتى التكفير، على لسان الشيخ هشام إسلام الذي رأى أن «متظاهري 24 أغسطس خوارج ومن مات منهم فلا دية له»،

وهو ما أكسب التظاهرات زخماً تجاوز دعوة التظاهر في 25 يناير 2011. وستتخذ التظاهرات من «ميادين الفلول» مقراً لها كالعباسية في شمال القاهرة، وروكسي وأمام القصر الجمهوري. وستشهد ترديد هتاف وحيد «يسقط حكم المرشد»، ملتزمةً السلمية وفقاً لمحمد أبو حامد، المنظم الرئيسي للتظاهرات.
وأكد أبو حامد أن «التظاهرات ستأخذ شكل تجمعات ثورية في عدة أماكن، ليس من بينها ميدان التحرير، لتفادي الصدام مع جماعة الإخوان، التي ربما تقرر أن تحشد أنصارها للتجمع في التحرير في التوقيت نفسه». وعن أسباب تراجعه عن الدعوة إلى التظاهر أمام مقر مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين وباقي مقارّ الجماعة في القاهرة والمحافظات، قال عضو مجلس الشعب المنحل لـ«الأخبار»: «نحرص على سلمية التظاهر وعدم اللجوء إلى العنف، ولا سيما أن التظاهر لن ينتهي غداً، بل سيمتد إلى حين تنفيذ كافة مطالبنا لعدم أخونة مصر ومؤسستها».
في المقابل، فسّر مراقبون تراجع الداعين إلى مليونية «24 أغسطس» عن التظاهر أمام مقارّ الإخوان بضعف موقفهم، ولا سيما بعد زوال قبضة المجلس العسكري عن حكم البلاد وإبعاد مرسي المشير محمد حسين طنطاوي وسامي عنان وقبلهما مدير الاستخبارات اللواء مراد موافي. وهؤلاء كانوا يساندون الداعين إلى تلك المليونية، وعلى رأسهم أبو حامد ومصطفى بكري، إلى جانب الإعلامي الموالي للعسكر توفيق عكاشة، الذي نجح مرسي ورجاله في إسكات صوته بغلق قناة الفراعين التي يمتلكها وإحالته على النيابة العامة بتهمة إهانة رئيس الجمهورية، وهو ما من شأنه التنبؤ بعدم فاعلية تظاهرات الغد حسب المراقبين. ويرى هؤلاء أن مطالب التظاهرات يمكن أن تكون مقبولة في ظل وجود المجلس العسكري على رأس السلطة في البلاد، لكن بعد أن حسم مرسي صراعه مع العسكر لمصلحته، تبدو تلك المطالب رومانسية للغاية. وهو ما ينبئ بطول أمد اعتصام أنصار أبو حامد، بحسب مراقبين، لاستحالة تحقق مطالبهم بتراجع مرسي عن قراره بإلغاء الإعلان الدستوري المكمل، وإعادة العمل به مع نقل سلطة التشريع من المجلس العسكري إلى المحكمة الدستورية العليا حتى لا يجمع الرئيس بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. كذلك من بين المطالب غير المتوقعة تلبيتها إلزام جماعة الإخوان المسلمين تقنين أوضاعها وتحويلها إلى جمعية أهلية وإخضاعها لكل أشكال الرقابة القانونية، ومنعها من ممارسة السياسة أو حل الجماعة وتسليم ممتلكاتها للدولة. وتبرز أيضاً صعوبة التحقيق مع قيادات جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة في التمويلات والأموال الطائلة التي أنفقوها في الانتخابات والتقائهم بعدد من القيادات الأجنبية، والتحقيق في الاتهامات التي تشير إلى ضلوع حركة «حماس» مع جماعة الإخوان المسلمين في تنفيذ عدد من الحوادث مثل أحداث اقتحام السجون وموقعة الجمل ومحمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو وبورسعيد ومحاسبة.
ورغم التراجع عن التظاهر أمام مقارّ الجماعة، التي تتجاوز عشرة آلاف مقر على مستوى الجمهورية، إلا أن وزارة الداخلية أكدت أن أجهزة الأمن سترفع حالة التأهب استعداداً لحماية مقارّ الإخوان وتأمينها. من جهته، أكد المتحدث باسم رئاسة الجمهورية ياسر علي، وجود «تعليمات للجهات الأمنية بحماية التظاهرات السلمية يوم 24 أغسطس، وتطبيق القانون بحزم على كل من يخترق القانون». وأكد أن «مؤسسة الرئاسة داعمة لحق التظاهر السلمي بشرط التزام القانون المنظم، واحترام الملكيات الخاصة، والمؤسسات العامة والخاصة المصرية، وهذه هي مكتسبات الثورة، والتشديد على تفعيل دور القانون».
وفي الوقت الذي رفضت فيه غالبية القوى والتيارات السياسية الاستجابة لدعوات التظاهر ضد مرسي وضد جماعة الإخوان المسلمين، ودعا بعضها إلى تشكيل دروع بشرية لحماية مقارّ الإخوان من الاعتداء عليها، سبّب القائم بأعمال رئيس حزب الحرية والعدالة، عصام العريان، أزمة جديدة مع القوى والتيارات السياسية، وخاصة اليسارية منها. وكتب العريان على حسابه الشخصي على تويتر مهاجماً اليسار المصري قائلاً «إن النفوذ اﻷجنبي والتمويل الخارجي والهاجس اﻷمني والتشرذم والتفتت وإهمال دور الدين بل احتقاره والنخبوية والتعالي على الشعب أبرز أسباب فشل اليسار...»، وهو ما آثار عاصفة من الاستياء. ورأى البعض أن الجماعة تكرر خطايا النظام السابق وأجهزته الأمنية، مستنكرين اتهام تيار وطني بالعمالة والتمويل الأجنبي بلا دليل، ومحذرين الإخوان من الوقوع في الخطأ نفسه الذي وقع فيه الرئيس أنور السادات باستخدام الجماعات الإسلامية لاستعداء المجتمع على اليسار.
ورأت أستاذة العلوم السياسية في الجامعة الأميركية، رباب المهدي، أن «اتهام العريان للتيار اليساري بالعمالة والتخوين من شيم الحزب الوطني وأمن الدولة».