من بين أبرز ما يعبّر عن غياب الدولة في سيناء، تحولها إلى إقطاعيات يتنافس عليها الإقطاعيون الجدد من رجال الأعمال. قبل الثورة، كان رجلا أعمال، هما حسن راتب وحسين سالم، أو كما يطلق عليهما في سيناء «الحسن والحسين»، قد اقتسما النفوذ الاقتصادي وربما السياسي فيها. يتجسد هذا في تعبير «رئيس جمهورية سيناء»، الذي أطلقه السيناوية على حسن راتب، الذي كان أحد أعضاء لجنة السياسات في الحزب الوطني السابق، ورئيس جمعية مستثمري شمال سيناء، وصاحب فضائية «المحور»، الأقرب إلى خط الإعلام الحكومي، والتي احتكرت إذاعة مؤتمرات الحزب الوطني السنوية.


احتكر راتب الاستثمار في شمال سيناء واستنزاف خيراتها، وكان بمثابة الحاكم الفعلي لها، ولم يصدر أو يتخذ محافظوها قرارات سيادية أو اقتصادية من دون الرجوع إليه. بعد الثورة وفتح ملفات الفساد، قدّم أحد النشطاء السياسيين في سيناء، ويدعى مجدي عبد الهادي حداد، في آذار 2011 حافظة مستندات للنائب العام تدين نشاط حسن راتب في شمال سيناء، وكذلك محافظها السابق اللواء منير شاش. اشتملت الحافظة على وثائق تثبت استيلاء راتب على عقود توريد الطُفلة (مادة أساسية في صناعة الإسمنت) للمصنع، الذي يمتلكه في وسط سيناء «إسمنت سيناء» بمبلغ يصل لـ5 آلاف جنيه سنويّاً، فيما يُورَّد إلى شركة استثمارية أخرى بمبالغ تصل إلى 42 مليون جنيه. ويذكر أبناء سيناء أن نفوذ راتب قد منعهم من إقامة مصنع آخر للإسمنت ينافسه، كذلك فإن هذا المصنع كان أحد مصادر الإسمنت الذي تستخدمه إسرائيل في بناء الجدار العازل في الضفة الغربية والذي بدأ منذ أعوام، فضلاً عن تملكه أكبر استوديو تصوير ووحدة إنتاج وبث في سيناء.
وأشار البلاغ أيضاً إلى أن قرية «سما العريش»، التي يمتلكها راتب على ساحل المتوسط، كان قد استحوذ عليها باعتبارها أراضي مخصصة لإنشاء مساكن أهلية رخيصة للأهالي، وبقروض منخفضة الفائدة تصل إلى 6 في المئة، إلا أنها حُوِّلت إلى قرية سياحية درّت الملايين عليه. وقصة «جامعة سيناء»، الجامعة الوحيدة في شبه الجزيرة، هي نفسها قصة «سما العريش». فقد خُصِّصت أراضٍ لبناء الجامعة باعتبارها جامعة أهلية توفر التعليم المخفوض لأبناء سيناء، بواقع 5 آلاف فدان وبسعر 5 آلاف جنيه للفدان الواحد، غير أنها أصبحت جامعة خاصة باهظة التكاليف، وأقرب إلى التعليم السياحي، وبالتالي لم يدخلها إلا 3 في المئة من أبناء المنطقة.
وفي سبيل استنزاف سيناء، استخدم رجل الأعمال، الذي يصف نفسه بأنه «عاشق سيناء»، نفوذه لطرد المئات من أبناء المنطقة من أراضيهم المجاورة لمشاريعه، أو لإجبارهم على التنازل عنها بأبخس الأسعار. ولم تساهم هذه المشاريع في تنميتهم وتشغيلهم إلا في أعمال الحراسة. لذلك، لم يكن أمام أبناء سيناء بعد الثورة إلا محاصرة منشآت راتب، والمطالبة بالتحقيق في ملفات الفساد.
أما حسين سالم، فهو الصديق المقرب لأسرة حسني مبارك، وصديق الرئيس المخلوع الشخصي. وهو من الأسماء التي تردد اسمها في ملفات الفساد، بعد هروبه خارج مصر ولا تزال مفاوضات تسلمه من إسبانيا قائمة. يوصف حسين سالم، ضابط الاستخبارات السابق والعديم الظهور الإعلامي على عكس سابقه راتب، بأنه المهندس الأساسي لسطوة الأسرة الحاكمة وسلطتها ورأس مالها في سيناء، كما تذكر مدونة «هنا سيناء». ارتكز نشاطه على المنتجعات التي لا حصر لها، والتي يصعب تقدير قيمتها في جنوب سيناء في شرم الشيخ ودهب ونويبع وطابا، ولا سيما سلسلة فنادق «موفنبيك»، التي كانت تستضيف مبارك قبل خلعه وبعده. كذلك إن الرجل هو مهندس صفقة تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل. وهي الصفقة المشبوهة التي يختبئ خلفها مستفيدون من بيع الغاز المصري بأسعار أدنى من قيمته في الأسواق العالمية، وذلك طبقاً للاتفاقية التي وُقِّعت عام 2005، وبموجبها صُدِّر فائض الغاز المصري إلى إسرائيل بواقع 1,7 مليار متر مكعب كل عام لمدة عشرين عاماً. وتولت تنفيذ الاتفاقية شركة شرق المتوسط للغاز، وهي الشركة المشتركة التي تأسست عام 2000 تحت رئاسة حسين سالم.
تكشف قصة حسين سالم في سيناء عن تداخل الأمن والاستخبارات والاقتصاد. ففي البيان الذي أصدره سالم مدافعاً عن نفسه ونافياً شبهة الفساد أو الارتباط بالنظام السابق في نيسان الماضي، يؤكد «أن تصدير الغاز إلى إسرائيل كان أمراً يتعلق بالأمن القومي المصري، وكان تكليفاً ومفروضاً، وكانت الجهات الأمنية تشرف على كل صغيرة وكبيرة متعلقة به». بعد الثورة، انكشف جانب آخر من هذا التداخل، فوثائق أمن الدولة المسربة أثبتت تورط تنظيم سياسي داخل وزارة الداخلية يقف على رأسه حبيب العادلي ويعمل لمصلحة جمال مبارك، في تدبير تفجيرات سيناء في 23 تموز 2005، التي راح ضحيتها العشرات. كشفت وثائق الجهاز أن العملية أعدت في الأصل لاستهداف مجموعة منتجعات «موفنبيك» المملوكة لسالم عقاباً له لخفضه عمولة مبارك الابن من صفقة الغاز مع إسرائيل، غير أن المجموعة المتطرفة غيرت من وجهة أهدافها.
إذاً فالدولة لا تبدو حاضرة في سيناء إلا في ما يخص مشروعات المستثمرين الخاضعين لسطوة أباطرة الفساد فيها أو المشروعات السياحية، التي يحرم إياها أبناء سيناء، فضلاً عن مشروعات رجال الأعمال المحسوبين على النظام، التي لا تختلف نظرتهم لأبناء سيناء عن الدولة، وهو ما عمق شعور لدى أبناء سيناء بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، ينظر إليهم بعين الريبة، فلا تنمية تمس معاشهم اليومي، ولا مشروعات اقتصادية تغدق عليهم من ريعها أو وظائفها، ولا حتى أراض يتملكونها ويعتاشون عليها موجودة أو مسموح بها. وهو ما يتحدث عنه أصحاب نظرية التحديث في التنمية عن أزمات للدولة الحداثية في العالم الثالث، تأتي على رأسها أزمة الانتشار أو الغياب في مساحات وقطاعات رأسية وأفقية من المجتمع. وتتضاعف هذه الأزمة في الهوامش، فالدولة غائبة بالكامل ولا تتعامل مع الهامش إلا من قبيل احتساب الأخطار الأمنية والسياسية الخارجية، وبالتالي يصاحب غياب الدولة تنموياً حضورها أمنياً بنحو مضاعف. وهذا ما يتجلى في حالة سيناء وعلاقتها بالدولة المصرية، فلم تخرج سيناء قديماً أو حديثاً عن نطاق الدولة المصرية منذ وحدتها قبل آلاف السنين حتى مع تشكل الدولة الحديثة، ولم تفقدها مصر إلا مع الاجتياح الإسرائيلي الأول لها إبان حرب السويس 1956، ثم الاحتلال العسكري الذي استمر (1967-1982)، ثم عودتها في 25 نيسان 1982، رسميّاً إلى «السيادة المصرية» وفق ترتيبات معاهدة كامب ديفيد. وتسلمت مصر سيناء، بعدما اتجهت الدولة نحو الضعف والتفكك، لتصبح دولة رخوة ذات قبضة أمنية شرسة، تعثرت مشاريع التحديث فيها بفعل الحروب، وفشل نمط الحكم. ولم يكن من المتصور أن تتجه الدولة إلى تنمية الأرض التي استعادتها، بعدما كفت عن التنمية في الداخل أصلاً، وبالتالي لم يوجد في سيناء منذ استعادتها إلا الأمن، هكذا يؤكد السيناوية.
ومع اختطاف الدولة من قبل نخب رجال الأعمال أصحاب الرؤى الشرسة في استنزاف الثروات وإهلاكها في مشاريع ربحية سريعة وتستثمر في الاستهلاك وبلا أي رغبة أو قدرة على التمكين الاقتصادي للمواطنين، سارعت هذه النخبة في توجيه الدولة نحو استنزاف سيناء لمصلحتها في مشاريع من هذا القبيل.
يقول الناشط السيناوي، سعيد أعتيق، وهو عضو ائتلاف شباب الثورة في سيناء، إنه منذ رحيل الاحتلال الإسرائيلي عن سيناء نهائياً عام 1982، لم توجد الدولة فيها بأي شكل في ما عدا وزارة الداخلية وجهاز أمن الدولة، فلم توجد أي مؤسسات أخرى، وهو ما دفع أبناء سيناء نحو الفقر. وكان هذا هو المدخل الذي جعل المنطقة الشرقية في سيناء، وهي المنطقة (ج)، نهباً لعمل الأجهزة الاستخبارية الأجنبية، ويذكر منها على وجه التحديد الـ«سي آي إيه» والموساد والحرس الثوري الإيراني. كذلك كانت هذه المنطقة ساحة لتنافس المال السياسي الخارجي، وهو ما أدى إلى رواج الفكر المسموم والمتطرف.
وقد أدى غياب الدولة إلى جعل الجريمة مصدر الرزق الوحيد والأساسي لسكان هذه المنطقة الذين لم يجدوا أمام الإفقار والاضطهاد إلا الانخراط في أعمال تهريب المخدرات والاتجار بالبشر والمتاجرة في الأنفاق مع قطاع غزة المحاصر.
ومن بين مظاهر غياب الدولة، أو شعور بعض المواطنين المصريين في سيناء باليأس من حضور الدولة كطرف فاعل في رفع المعاناة عنهم، تجمهر بعض أهالي سيناء واعتصامهم إلى جانب الأسلاك الحدودية الشائكة عام 2007 التي تفصل بين مصر وإسرائيل، احتجاجاً على التضييق الأمني الذي جعلهم مهددين دائماً.
ويحلل إسماعيل الإسكندراني مسألة غياب الدولة قائلاً: «هناك نوعان من الدولة: الأولى الدولة الخادمة، وهي الموجودة في المدن الكبيرة مثل، العريش وطور سيناء وشرم الشيخ. أما الثانية فهي الدولة المهيمنة التي تتحكم في وقف التنمية والتعمير، وتجدها في الكمائن على الطرقات والتي تعسكر الوظائف المدنية، وتخضع للمستثمرين ممن يدفعون لها إتاوات، وهو النمط الشائع في سيناء.




لكم أن تتخيلوا

كتب الناشط والباحث في علم الاجتماع السياسي إسماعيل الإسكندراني، في المظاهر التي تعبّر عن غياب الدولة في سيناء طوال عهد حسني مبارك (الصورة)، وذلك بعد عدد من الزيارات الميدانية وثق أغلبها بمدونته «أحب سيناء». وتحت شعار «لكم أن تتخيلوا» قال: «لكم أن تتخيلوا ما تستحم به من ماء في يوم من أيام الحر يكفي لاستخدام أسرة سيناوية متوسطة العدد على الحدود لمدة 3 أيام كاملة». وأضاف: «ولكم أن تتخيلوا مدرسة بلا معلمين ووحدة صحية بلا أطباء وسيارة إسعاف بلا سائق ومواطنين بلا جنسية!». ومضى يقول: «لكم أن تتخيلوا بشراً يخضعون لهيمنة دولة أرض النيل يضطرون لشرب ماء ترفض الحيوانات والطيور الشرب منه. لكم أن تتخيلوا أبطالاً كرمتهم القوات المسلحة رسمياً لأدوارهم في الحرب، وبعدها ثم تُهمل علاجهم وتعتقل أبناءهم اشتباهاً»...