تونس | قدّمت الحكومة التونسية أخيراً مشروع إحداث الهيئة العليا المستقلة للانتخابات الى المجلس الوطني التأسيسي ليناقشه قريباً. وأعلن عن ذلك الوزير المكلف بالعلاقة مع المجلس التأسيسي، عبد الرزاق الكيلاني، في مؤتمر صحافي، مشيراً الى أن المشروع راعى ثلاثة مبادئ وهي التواصل والتوافق والتطابق. لكن هذه المبادئ لم يلحظها رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، التي أنجزت انتخابات ٢٣ تشرين الأول، كمال الجندوبي، ولا رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان العميد عبد الستار بن موسى، كما لم يحظ المشروع باقتناع الناشطين في المجتمع المدني بسبب مسّه باستقلالية الهيئة العليا المستقلة

للانتخابات.
لقد خرجت الحكومة عن صمتها بعد 9 أشهر، وأعلنت عن مشروع قانون إحداث الهيئة، الذي ينص أساساً على أن يكون اختيار رئيس الهيئة بالتوافق بين الرئاسات الثلاث، وأن يكون اختيار الأعضاء الثمانية للهيئة عن طريق الانتخاب مع مراعاة مبدأ الأغلبية من بين المرشحين من رؤساء الكتل النيابية، وهو ما يعني عملياً أن «الترويكا» الحاكمة هي التي ستختار أعضاء الهيئة ورئيسها؛ فالحكومة هي التي تملك الغالبية في المجلس، وبالتالي فإن مرشحيها سيحظون آلياً بدعم هذه
الغالبية.
وكان الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين قد قدّمت مشروعاً باسم المجتمع المدني للحكومة، لكنّها لم تعتمده ولم تستفد منه في مشروعها.
وفي السياق، عقدت ثلاث جمعيات تعنى بالانتخابات هي «عتيد» و«مراقبون» و«ائتلاف أوفياء»، كان لها دور أساسي في انتخابات ٢٣ تشرين الاول، ندوة صحافية مشتركة، أجمعت خلالها على رفض مشروع الحكومة لأنه لا يستجيب للشرط الأول وهو الاستقلالية الى جانب انعدام الشفافية وإرادة الهيمنة الواضحة على الانتخابات القادمة، التي ستكون مصيرية في تحديد مستقبل تجربتها الديموقراطية المحفوفة بالانزلاقات والمحاذير. وتضمن المشروع أيضاً إحداث هيئة تنفيذية للمتابعة والتنسيق تتابع عمل الهيئة، وهو ما اعتبره الرئيس السابق كمال الجندوبي تدخلاً واضحاً في عمل الهيئة ورهناً لها بالإدارة التي تتحكم فيها رئاسة الحكومة. وقال إن المشروع لا يتلاءم ولا يرقى بتاتاً الى طموحات التونسيين بإحداث هيئة عليا مستقلة للانتخابات، وهو يكشف عن نية واضحة في توجيه الانتخابات عبر السيطرة على الهيئة العليا. وأشار الى أنه «كان من المفروض أن يتم التمديد للهيئة السابقة لما عرفت به من صدقية شهد العالم بها.
الانتخابات التي أشاد بها العالم قد لا تتكرر اذا تحكمت «الترويكا» فيها؛ فالمعركة التي تشغل الجميع اليوم في تونس هي انتخابات ربيع ٢٠١٣، التي قال رئيس الحكومة إنها ستكون في ٢٠ آذار المقبل متزامنة مع ذكرى الاستقلال. لكن رئيس الهيئة السابقة كمال الجندوبي قال انه يستحيل اجراء الانتخابات في هذا الموعد «اذا كنا نريدها أن تكون وفق المعايير الدولية التي تتطلب ثمانية أشهر على الأقل».
بعد هيئة القضاء العدلي، التي اعتبرها ممثلو هياكل القضاة أنّها نمّت عن تدخل السلطة التنفيذية في القضاء، بحيث لم توفر الحكومة لها كل شروط الاستقلالية رغم إيجابية بعض بنودها، جاء اليوم دور الهيئة العليا للانتخابات التي تريدها المعارضة والنقابات مستقلة تماماً عن الحكومة ونابعة من المجتمع المدني، وتصرّ الحكومة على أن تكون نابعة من «الترويكا» باعتبارها صاحبة الغالبية على غرار ما قامت به في تغيير مجالس البلديات.
فهل تنجح المعارضة وجمعيات المجتمع المدني والنقابيون في تعديل هذا المشروع لإنقاذ مسار الانتقال الديموقراطي؟ أم أن المشروع التونسي النموذجي سيدفن في المهد، ليتأكد ما ذهب اليه الكثير من المحللين بأن الإسلاميين يستفيدون من الديموقراطية للوصول الى الحكم كي يدفنوه في ما بعد؟
إنه اختبار جديد لحركة «النهضة» الاسلامية ليس في تونس فقط، بل لشركاء تونس من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة خصوصاً. فهل تنجح «النهضة» في الرهان وتثبت أنها قطعت فعلاً مع بداياتها كحركة دعوية، وأن إيمانها بالديموقراطية حقيقي والتزام مبدئي وليس مجرد شعار للترويج؟