القاهرة | إيذاناً بفشل ثورة 25 يناير في إسقاط نظام مبارك، وتمهيداً لتولي الذراع اليمنى للمخلوع مقاليد أمور المصريين من جديد، أكدت المحكمة الدستورية العليا على أحقية مرشح نظام مبارك، أحمد شفيق، في خوض جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية، بعدما حكمت بعدم دستورية قانون العزل السياسي. ولم تكتف الدستورية بالتأكيد أن شفيق هو «مستر اكس» الذي لا يموت أبداً، بل قضت أيضاً على الدليل الوحيد لسقوط حكم مبارك، والمتمثل في الغالبية البرلمانية لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين أو الجماعة المحظورة، كما يحلو للنظام السابق تسميتها.


وأعادت قرارات المحكمة المصريين الى يوم 11 شباط 2011، يوم تنحي مبارك عن سلطاته للمجلس العسكري. فعادت كافة السلطات من جديد للمجلس العسكري، ولا سيما أن قانون انتخابات مجلس الشورى يعاني من العوار الدستوري نفسه، الذي قضى بعدم دستورية قانون انتخابات مجلس الشعب، وبالتالي فإن مجلس الشورى هو الآخر، في انتظار صدور حكم قضائي بحله.
ورأى مراقبون أن حكم الدستورية يعدّ خطوة تمهد لرئاسة شفيق لمصر، مستدلّين بالقرار الذي أصدره وزير العدل، عادل عبد الحميد، قبل النطق بحكم الدستورية العليا بيوم واحد عبر منح صفة الضبطية القضائية للجيش. وهو الأمر الذي يمكّن أي عسكري من القبض على أي مواطن في حال قيامه بالتظاهر أو مقاومة الحكام وعدم الامتثال لأوامرهم.
أمام هذا الواقع، وقعت البلاد في حال الفراغ الدستوري، ولا سيما أن الرئيس الجديد يفترض أن يحلف اليمين أمام البرلمان، ما يثير تساؤلات مرتبطة بهوية الجهة التي سيؤدي الرئيس الجديد القسم الدستوري أمامها. كذلك فإن رئيس مصر المقبل، الذي من المفترض أن يعرف المصريون هويته يوم الإثنين المقبل، يجهل صلاحياته. وهو ما ينذر بتواجد طويل للمجلس العسكري، الذي سبق أن وعد بتسليم سلطاته إلى رئيس منتخب في موعد نهايته 30 حزيران الجاري.
ويرى رئيس محاكم القضاء الإداري السابق، المستشار كمال اللمعي، أن من الضروري أن يحلف الرئيس الجديد لمصر اليمين أمام المجلس العسكري الحاكم للبلاد بصفته القائم بأعمال رئيس الجمهورية والقائم بأعمال مجلس الشعب. وأوضح اللمعي أنّ «أمام المجلس العسكري الآن خيارين في ما يتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية. الأول أن يصدر إعلاناً دستورياً تكميلياً يحدد صلاحيات رئيس الجمهورية، أو إعادة تفعيل دستور 1971». وتوقع أن يستمر المجلس العسكري في حكم البلاد فعلياً فترة لا تقل عن عام من الآن. وهو ما حاولت القوى والتيارات السياسية المختلفة تفاديه، بالدعوة مجدداً إلى المجلس الرئاسي.
واعتبر المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، أنه ليس أمام المصريين للخروج من المأزق سوى التوافق على «مجلس رئاسي، يتولى تشكيل لجنة تأسيسية لوضع الدستور، وحكومة إنقاذ وطني، والاشراف على انتخابات برلمانية ورئاسية بعد اقرار الدستور أو اسناد مسؤولية البلاد لرئيس مؤقت، مع حكومة إنقاذ وطني». إلا أن تلك الدعوة لم ترق لجماعة الإخوان المسلمين، التي رفضت الامتثال إلى حكم الدستورية العليا. ورأت الجماعة في قراري المحكمة «انقلاباً كامل الأركان، يقوم من خلاله المجلس العسكري بشطب أشرف مرحلة في تاريخ هذا الوطن».
وحذر نائب رئيس الحزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية للجماعة، عصام العريان من أن «مصر ستدخل نفقاً مظلماً إذا تم حل البرلمان». أما المرشح الرئاسي الخاسر والمحسوب على التيار الإسلامي أيضاً، عبد المنعم أبو الفتوح، فاعتبر أيضاً ما حدث «انقلاباً كاملاً على ثورة يناير». وأكد أنه «يتوهم من يتصور أن ملايين الشباب سيتركونه يمر».
وحده مرشح المجلس العسكري لرئاسة مصر، أحمد شفيق، امتلكه أمس شعور النصر. واعتبر أنه أصبح رئيس مصر المقبل، فقام بإلقاء خطبة رئاسية استخدم فيها نبرة مبارك. ومما قاله في كلمته «لقد خضت هذه الانتخابات من أجل أن أصبح رئيساً لكل المصريين، رافعاً شعار «مصر للجميع... وبالجميع»». وأضاف «لا إقصاء لأحد. لا إبعاد لأحد. لا حظر على أحد. لقد تعهدت وكررت بأن لا يُضار معارض بسبب رأيه، ولن يسجن شاب لأنه تظاهر أو اعتصم بموجب القانون». ومضى يقول «إلى كل متدين ملتزم: لن تلاحقك أجهزة الأمن. نقبل التنوع وندعوكم للوسطية». ورأى شفيق أن أحكام الدستورية العليا «أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن مصر دولة كبيرة تقوم على مؤسسات قانونية وسلطات دستورية ولا ينبغي لأي سلطة أن تعتقد أنها يمكن أن تنفرد بالقرار أو تحتكر المصائر».
من جهتهم، أعلن أعضاء البرلمان رفض حكم المحكمة الدستورية العليا. وأكد وكيل مجلس الشعب، أشرف ثابت، لـ«الأخبار»، أن البرلمان سيستمر في جلساته، مبرراً الأمر «بأن الجهة الوحيدة المختصة بالفصل في صحة عضوية النواب هي محكمة النقض، حسب التعديل الذي أدخله نواب البرلمان على قانون الطعن في صحة أعضائه».
أما خبراء القانون الدستوري، فأوضحوا أن حكم المحكمة الدستورية العليا، بحل مجلس الشعب، لن يؤثر في شرعية الجمعية التأسيسية، التي قام أعضاء مجلسي الشعب والشورى بانتخاب أعضائها قبل يومين. ووفقاً للمستشار أحمد وجدي، فإن قانون معايير انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية، الذي أصدره البرلمان قبل 3 أيام من صدور حكم بحله، تم تحصينه قضائياً. وأكد وجدي أن المجلس العسكري كان يعرف سلفاً الحكم بعدم دستورية قانون انتخابات مجلس الشعب ونية الدستورية العليا لاصدار حكم بحله. ولذلك قام المجلس العسكري بإنذار مجلس الشعب بضرورة تشكيل الجمعية التأسيسية وحدد لها مهلة بعينها. والتزم مجلس الشعب، وغالبيته الإخوانية، على غير عادته، بتلك المهلة. ولفت وجدي إلى أن حل مجلس الشعب أمر معد سلفاً والمجلس العسكري اكتفى بالإخوان في التأسيسية.