صنعاء | حاول عمر، وهو من شباب الحزب الاشتراكي اليمني، تصوير عملية إزالة مخيمات الاعتصام في ساحة التغيير، فاعترضه بعض المكلفين بحراسة الساحة، ليتذكر أن هذا الأمر كان قد حصل معه ولكن على أيدي قوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح، في مراحل مختلفة من مسيرة الثورة الشبابية، حيث كانت الكاميرات تمثل العدو الأول لتلك القوات. وبالرغم من أنه من أوائل الشباب الذين خرجوا للاعتصام في بدايات الثورة، صار عمر يشعر بأنه سيكون عرضة لأن يلحقه أي أذى، لو دخل في نقاش مع أفراد ينتمون لتيار شباب التجمع اليمني للإصلاح، صاحب الاتجاه الديني الذي قرر قادته مؤخراً مغادرة الساحة وإخلاءها من المعتصمين.


قرار ساهم في توتر العلاقة بين كوادر هذا الحزب وبين شباب الأحزاب الأخرى، ولا سيما ذات التوجه اليساري، والمنتمين لكتلة الشباب المستقل وشباب الصمود المنضوين تحت راية جماعة الحوثي. وفيما يريد الحزبيون الانسحاب من الساحة تحت رغبة قادة حزبهم، يرغب الآخرون في مواصلة ثورتهم التي يعتقدون أنها لم تنجز كامل أهدافها، ما أوصل الأمر لنقطة الاشتباك بالأيدي وصولاً إلى استخدام العصي والأسلحة البيضاء. ولكل طرف من الجهتين حجته. وفيما يتهم انصار الاصلاح شباب جماعة الحوثي بأنهم يستخدمون تعابير طائفية وعنصرية تتنافى مع روح الثورة، يقول الطرف الثاني إن شباب الإصلاح قرروا تنصيب أنفسهم رعاة رسميين للثورة وناطقين باسمها، متعمدين نفي التكتلات الشبابية الأخرى. أما توكل كرمان، صاحبة جائزة نوبل للسلام، وهي عضو في التجمع اليمني للإصلاح، فأكملت الدائرة، عندما أعلنت على صفحتها في «الفايسبوك» أن من سقط خلال مسيرة الثورة بين شهيد وجريح هم من حزب الإصلاح، نافية وجود شباب آخرين من التكتلات الأخرى، قبل أن تتعرض لاتهامات من قبل شباب الثورة غير المنضوين تحت خيمة حزب الاصلاح، بأنها تعمدت تجاهل جرحى شباب الثورة من غير حزبها في عملية نقلهم إلى أنقرة لتلقي العلاج في إطار منحة حكومية تركية.
اذاً، لم يعد الجو صحياً داخل الساحة التي شهدت انطلاقة ثورة الشباب، التي نجحت في خلع صالح لكنها لم تقدر بعد على تغيير النظام القديم من جذوره. وهذا السبب يعتمد عليه الشباب المناهضون لفكرة مغادرة الساحة لتأكيد ضرورة البقاء هناك. لكن يبدو أن المشكلة الأساسية متركزة بين شباب الإصلاح وشباب جماعة الحوثي، الذين أعلنوا أنهم سيتكفلون بكل ما يحتاج إليه الشباب الذين قرروا البقاء في الساحة بعد توقف عملية إمدادهم بالتغذية اليومية، والتي كانت على عاتق شباب التجمع اليمني للإصلاح. وهو ما دفع هؤلاء لمحاولة وضع حد لرغبة شباب الحوثي في السيطرة على الساحة بعد رحيلهم، بالرغم من أن هذا الموقف غير مبرر، فلكل طرف الحق في البقاء في الساحة أو مغادرتها ولا يحق للطرف الثاني إجباره على شيء لا يتماشى مع رغبته.
وهكذا ذهبت الأمور إلى تطورها، لتتفاقم يوم أول من أمس، عندما خرج الشباب في مسيرة حاشدة في شوارع العاصمة صنعاء، مقتربين من حدود القصر الرئاسي، وهي منطقة لم يكونوا في السابق يقدرون على الاقتراب منها. وكان الهدف من المسيرة الاحتفاء بنجاح الجيش في دحر تنظيم القاعدة من مدينة أبين، وصدور قرار مجلس الأمن المشدد تجاه الأطراف اليمنية التي تعوق سير العملية السياسية في اليمن، وتعوق تنفيذ قرارات الرئيس عبد ربه منصور هادي. وكان اللافت في هذه المسيرة تواجد كثيف للأعلام السورية في صيغتها الثورية بشكل يفوق الأعلام اليمنية نفسها. ولم يُعرف الهدف من هذا التواجد إلا بعدما وصلت المسيرة إلى ساحة التغيير، حيث حدث تلاسن بين شباب الصمود التابع لجماعة الحوثي، وبعض شباب الإصلاح الرافعين لعلم الثورة السورية، ما أدى إلى تشابك بالأيدي وبالحجارة بمشاركة الأسلحة البيضاء. وهو ما نتج منه إصابة العشرات، في ما يبدو أن الاشتباك لن يكون الأخير في ظل ذهاب الوضع في الساحة إلى مزيد من التأزم.
وفي تفسير لما يحدث الآن بين هذين الفصيلين، كتبت إحدى شابات الثورة، على صفحتها على «الفايسبوك»، تقول: «في البدايات كانوا يتحدثون عن معجزات الساحة التي جمعت الحوثي بالإصلاحي في وئام وانسجام. وكنا نقول لهم: الساحة ليست اليمن، الإصلاحيون والحوثيون يقتلون بعضهم في الجوف. تتحدثون عن انسجام واهم. لكن أحداً لم يكن يريد أن يسمع». وأضافت «كانت المرحلة تتطلب لغة زائفة. في النهايات لا شيء تغير. هي مثل البدايات. لكن بدون أوهام. وحين ينتهي الوهم تتحسن فرص المعالجة».