تونس | عقد تيّار «السلفيّة الجهاديّة»، يوم الأحد، اللقاء السنوي الثاني في مدينة القيروان، التي أمّها آلاف الأنصار، رافعين شعار «لا قانون لا دستور قال اللّه قال الرّسول»، في تأكيد واضح على مشروع الدولة التي يسعون الى إقامتها والتي تتناقض تماماً مع كل منجزات الدولة المدنية، التي كان للرئيس الحبيب بورقيبة الدور الأبرز في بنائها.

وألقى زعيما التيّار السلفي الجهادي: أبو عياض والخطيب الأدريسي، في تجمّع «أنصار الشريعة» في مدينة القيروان، خطباً حماسية دعت الى التمسك بتطبيق الشريعة الإسلامية. الجمهور السلفي تفاعل مع قادته عبر صيحات «التكبير» ورفع الرايات السوداء في ساحة مسجد عقبة بن نافع، بحضور زعيم حزب التحرير في تونس رضا بلحاج، والداعية الإسلامي مختار الجبالي. واعتبر اللقاء تتويجاً لمجموعة من التظاهرات التي قام بها السلفيون، في تحدّ واضح لسلطة الدولة. فعلى مقربة من مدينة القيروان، وتحديداً في مدينة سيدي بوزيد، التي انطلقت منها شرارة ثورة الياسمين، وسقط فيها محمد البوعزيزي محترقاً، أحرق سلفيون مخزناً لبيع المشروبات الكحولية، كما أحرقوا شاحنات تابعة لصاحب المخزن، ما أدى الى خسائر مالية فادحة، كما أجبروا كل محالّ بيع الخمور على إغلاق أبوابها كخطوة أولى لتطبيق «شرع اللّه»، كما يقولون.
ومنذ سقوط نظام زين العابدين بن علي وصعود حزب النهضة الإسلامي الى الحكم، اعتدى السلفيون على المسرحيين، وحطموا منحوتات فنية في تطاوين، جنوبي تونس، وفي شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة، وقاموا بسلسلة اعتداءات مشابهة. يريد السلفيون تطبيق الشريعة الإسلامية بيدهم حيث ما يستطيعون!
أمام هذا المسار السوداويّ، ومع تنامي التسريبات حول شبكات تهريب السلاح من ليبيا وضعف السلطة المركزية، بدأ العديد من التونسيين يتساءلون عن مستقبل بلادهم، التي فتحت الباب أمام «الربيع العربي». وأبدى ناشطون سياسيون تخوفهم من تكرار السيناريو الجزائري، لذلك وجّهت نقابة قوات الأمن الداخلي رسالة مفتوحة الى وزير الداخلية علي العريض، تعرب فيها عن مخاوفها من الوضع القائم.
يطرح الاحتقان الاجتماعي، وتعثّر مشاريع التنمية، وتراجع أداء الأجهزة الأمنية مع تحدي السلفيين العلني لسلطة وزارة الداخلية، السؤال عن الوجهة التي تتجّه إليها تونس بعد عام ونصف تقريباً من سقوط النظام السّابق، وحوالى ستة أشهر من صعود حركة النهضة الى الحكم. ورغم التطمينات التي أعلنها زعماء السلفية الجهادية في القيروان كعدم اعتزامهم حمل السلاح، لا يزال الخوف ظاهراً على وجوه التونسيين، في ظلّ غياب خريطة طريق واضحة تحدّد موعداً نهائياً للانتخابات مع هيئة مستقلة لإدارتها، في ظلّ رغبة واضحة عند حركة النهضة الحاكمة في السيطرة على الإدارة التونسية، وتراجع تأثير شريكي النهضة في الحكم، «التكتّل من أجل العمل والحريات» و«المؤتمر من أجل الجمهورية».
وعززّ تصريح وزير العدل، القيادي في حركة النهضة، نور الدين البحيري، الذي أعلن أنّ السلفيين تجاوزوا كل الخطوط الحمراء وأنهم سيعاقبون بشدة، المخاوف من انعدام الاستقرار، ما يرجّح حدوث مواجهة بين الحكومة والسلفيين.
«هذه المواجهة قادمة لا محالة»، لفت وزير الداخلية علي العريض في تصريح، قبل أيام، لصحيفة «لوموند» الفرنسية، بينما أكد خطيب مسجد «بوحسينية» في مدينة سوسة، فريد الباجي، أنّ السلفيين سيمرون الى الخطوة الثانية، «التفجيرات قادمة بلا شك». ويخشى التونسيون، الذين لم يعرفوا العنف طوال تاريخهم، احتراق بلادهم بنار الاقتتال بعدما قاموا بثورة سلمية، كادت أن تكون بلا خسائر كبيرة، قياساً إلى ما حدث عند جيرانهم الليبيين. ويشعرون بصعوبة تحرك عجلة التنمية والتقدم الاجتماعي.
ويلوح أمامهم شبح عودة الحزب الحاكم المهيمن على البلاد، على مستوى الإدارات المركزية والمحافظات، حتى الإدارات المحلية.