دمشق | الخميس ظهراً من باريس _ برهان غليون يعلن انسحابه من رئاسة المجلس الوطني السوري المعارض واستعداده للتنحي فور توافر البديل. خبر حاول أعضاء المجلس عبر الإعلام التعاطي معه بهدوء، وهم الذين لم يمض على تجديدهم لغليون أكثر من يومين، مترافقاً مع تحذير لجان التنسيق المحلية من الانسحاب، ما لم يحدث ترتيب للبيت المعارض، الذي يرى نفسه الممثل الشرعي للشعب السوري.


خلافات الأعضاء بدأت تطفو إلى السطح تدريجاً مع أنباء تكشف النقاب عن استياء الشباب في الداخل من آلية عمل المجلس، والمفاجأة الأكبر أن رئيس المجلس لم يكن يعلم بذلك؛ فبحسب ناشط في الحراك السوري، رفض الكشف عن اسمه، عقد لقاء طويل بين برهان غليون وشباب في «اتحاد تنسيقيات الثورة»، على أثره مباشرة أعلن غليون الاستقالة.
وحسب الناشط المطّلع على التفاصيل، إن «المشكلة ليست مع الأكاديمي الحمصي شخصياً بقدر ما هي مع أداء المجلس الوطني والمكتب التنفيذي. فالاتحاد يريد المحافظة على المجلس الوطني كأحد أهم مكتسبات المعارضة، لكن في ظل تشكيلة مكتبه التنفيذي الحالي وسيطرته المطلقة على جميع أمور المجلس وتأخر الهيكلة الجديدة وغياب رؤية واضحة، يستمر المجلس في الغرق في بحر التخبطات، فطالبناه بضرورة التواصل مع الداخل، ووضعنا رؤيتنا بين يديه لضرورة التغير بشكل سريع جداً في المجلس بما يتلاءم والمصلحة العامة، لا الأطراف والكتل التي يتشكل منها المجلس».
ويعلق ناشط آخر بأن «غليون في النهاية هو رجل فكر، وليس وراءه جماعة سياسية تحميه، وهو يوضع في الواجهة اليوم لتلقي الضربات، وكان عليه أن يستقيل فعلاً حتى لا يُساء إلى كل ما حاول تقديمه، لكن يبدو أن غليون لم يكن يتصور حجم الامتعاض الشعبي من أداء المجلس، وبعد الحديث توضحت له الصورة عامة وأين وصلت الأمور».
ويلخص نشطاء الحراك ملاحظاتهم باعتبار أن «المجلس الوطني لم يتلق الدعم الكافي عربياً أو دولياً، رغم ما حظي به من تأييد شعبي في بداية انطلاقته، وعلى العكس هناك محاولة لإزاحته وسحب أي شرعية عنه ووضعه في مواجهة مباشرة مع الحراك عبر تقليم أظفاره، وإظهاره بمظهر الخائب، وهو ما حصل فعلاً في كثير من المراحل، ولكن من ناحية أخرى لا يمكن أن إنكار أن مشكلة المجلس بنيوية من الداخل؛ فهناك حالة استقطاب بين مكوناته بالإضافة إلى غياب الشفافية ولم يحصل على اعتراف دولي رسمي به، أضف إلى ذلك تفاوت كوادره من حيث الإمكانات».
ويرى الناشط أن «المكتب التنفيذي هو مشكلة المجلس؛ فليس هناك رؤية واضحة وأعضاء يمثلون كتلاً غير منسجمة، وهو بالضبط ما جعلنا نقابل غليون ونضعه في الصورة التي كانت السبب في تقديمه للاستقالة، وحتى برهان نفسه لا يملك إمكان إحداث تغيير جدي في المكتب التنفيذي، وحديث إعادة الهيكلة يبقى ــ بلا خطة واضحة ــ مجرد كلام، وبعد ما سمع منا من مواقف وانتقادات للمجلس ارتأى النأي بنفسه، فهو يريد المحافظة على المجلس، ونحن كذلك، ولكننا نريد إعادة الامور إلى نصابها عبر تسلم الحراك الداخلي لزمام الأمور، من دون أن يكون المقصود إقصاء من يعملون في الخارج، ولكن نريد محو تلك الفجوة ما بين الطرفين، فالحراك هو الموجود فعلياً على الأرض، ونحن من ندفع الدماء ويجب أن تكون الكلمة العليا لنا في تنظيم أمور الحراك، وفي المحاسبة للمجلس، إضافة إلى الوضع المالي للمجلس وكيف تصرف الأموال الواردة وما هي فعلياً حدود التعامل والدعم للمجلس العسكري والجيش الحر». وبحسب قول النشطاء، فإنّ «من المقرر أن توجه دعوة إلى كافة الكتل المعارضة في الداخل لاجتماع تحدد فيه خياراتهم ومطالبهم ورؤيتهم للهيكلية الجديدة للمجلس الوطني».
لكن ماذا عن الورقة المقدمة من اللجان المحلية إلى المجلس؟ يقول النشطاء في حديثهم إنهم «اتفقوا على ورقة عمل تشمل عدة جوانب؛ ففي الشق السياسي، تتبلور المهمة الأساسية للمجلس في العمل على تعزيز شرعية المعارضة بين الشعب، وضرب شرعية النظام، وضرورة وجود قيادات من الداخل في المجلس، وعودة قيادات الخارج إلى الداخل».
وبدا من اللافت أن يطالب النشطاء بالحد من الخلافات العلنية بين أعضاء المجلس والمهاترات مع المنشقين وتأكيد عمل المجلس كمؤسسة لا كأفراد، وإصدار بيانات توضح التبرعات والهبات المقدمة للمجلس وطريقة إنفاقها، سواء على الأعضاء أو التي تذهب إلى الداخل السوري. وفي حال عدم إمكانية ذلك يجب توثيقها لعرضها في المستقبل، واستقطاب رجال الأعمال السوريين في الخارج، لا عبر آليات الدعم المادي فقط، بل أيضاً ــ وهو الأهم ــ ظهورهم كمشاركين، مع التركيز على إعادة بناء المناطق المتضررة نتيجة قصف النظام، بموجب اتفاق يكون المجلس شريكاً فيه، والضغط على روسيا لذلك كي لا يظهر النظام بمظهر إنساني، وإطلاق حملة سياسية كي لا تطمس معالم الجرائم التي ارتكبها النظام.
أما عسكرياً، فيشير الناشطون إلى أن «هناك خشية لدى الناشطين من تشكيل بعض أطراف المجلس تنظيمات مسلحة، والعمل بعيداً عن نبض الشارع والمصلحة العامة، ما يهدد بردّ انتقامي للنظام غير محسوب النتائج. ويطالبون بإيجاد آليات سيطرة وضبط شامل لمختلف المجموعات المسلحة بما يمكن من وضع استراتيجية شاملة لمواجهة أساليب النظام في استفراد المدن والقرى واحدة تلو الأخرى، مع العمل على دعم الجيش الحر، دعماً غير مباشر، من خلال توفير المستلزمات التي تحقق توازناً نسبياً في ميزان القوى».
وبحسب ما رشح عن المجلس الوطني، ستنطلق عملية إعادة هيكلة للهيئة المعارضة في وقت قريب، من دون أن يعلن هوية البديل المقترح، وإن كان المعارض القادم من حزب العمل الشيوعي جورج صبرا هو أحد أكثر من يطالب به نشطاء الداخل، لكن آخرين أشاروا إلى أن القرار الأساسي يبقى بيد الإخوان المسلمين، الجناح الأقوى في المجلس.