القاهرة | بعد شهر ونصف من الجدل، اتضّحت معالم المنافسة على كرسي رئاسة مصر بين 13 مرشحاً، بعد تراجع اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية عن قرارها باستبعاد المرشح المحسوب على نظام الرئيس المخلوع، أحمد شفيق، من المنافسه وإدراجه ضمن القائمة النهائية لمرشحي الرئاسة التي أعلنتها أمس، في خطوة أعادت الحديث عن مدى نزاهة قرارات اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، في ضوء الصلاحيات المطلقة التي منحها لها المجلس العسكري في المادة 28 من الإعلان الدستوري التي تحصّن قرارات اللجنة من الإشراف القضائي.


عودة شفيق ألقت بظلالها على فرص المرشح الذي ينافسه على كسب أصوات مؤيّدي النظام السابق من الفلول وحزب الكنبة عمرو موسى، الذي سرعان ما بدأت أسهمه بالهبوط مع إذاعة خبر عودة شفيق إلى السباق لصالح المرشح الإسلامي الثوري عبد المنعم أبو الفتوح، الذي أعلنت الجبهة السلفية تأييده في الوصول إلى قصر العروبة رداً على تأييد الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح التي تضم 109 من علماء ومشايخ التيارات الإسلامية المختلفة، منهم محمد حسان والشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل وخيرت الشاطر، لمرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي في سباق الرئاسة.
خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده أمس لإعلان القائمة النهائية لمرشحي الرئاسة، أكد رئيس اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، المستشار فاروق سلطان، أنه «لن تؤجّل الانتخابات الرئاسية إلا بقرار من المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم للبلاد». سلطان برر عودة شفيق إلى السباق بـ«وجود شبهة عدم دستورية في قانون العزل السياسي»، الذي سبق أن أصدره برلمان الإخوان على الخصوص لمنع عمر سليمان وأحمد شفيق من الترشح للرئاسة، وأقرّه المجلس العسكري بعد رفض المحكمة الدستورية العليا بحث مدى دستوريته قبل إقراره. وتلك «الشبهة» في حال تأييدها من الدستورية العليا، فقد تؤجّل الانتخابات الرئاسية حسب تبريرات رئيس اللجنة. إلا أن عودة شفيق فجرت عاصفة من الرفض ضد اللجنة الرئاسية على كافة المستويات القانونية والسياسية. ورأى القاضي السابق في المحكمة الجنائية الدولية، المستشار محمد أمين المهدي، أن «قرار اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية بإحالة نصوص العزل السياسي على المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستوريتها غير قانوني على الإطلاق، وسابقة قانونية لم تحدث من قبل». وهو ما أكده النائب عصام سلطان، الذي أقرّ البرلمان قانون العزل استجابة لمشروع قدمه. ووصف قرار اللجنة بـ«الفضيحة». وأضاف عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» أن «اللجنة قامت بدور المحامي والمدافع عن شفيق، وكل هذا يحدث وما زلنا في بداية الطريق، فماذا ستفعل اللجنة مع شفيق أثناء العملية الانتخابية والفرز وإعلان النتائج؟». ولم يكتف سلطان بذلك، بل أرسل مذكرة إلى المحكمة الدستورية العليا يطالبها برفض طلب اللجنة وعدم الفصل في مدى دستورية القانون إلا بعد إحالته بالطرق القانونية التي تستوجب عرض الأمر على القضاء أولاً.
المرشحون المستبعدون من الانتخابات الرئاسية أظهروا أيضاً غضبهم من قرار عودة شفيق، معتبرين أن اللجنة تكيل بمكيالين. مرشح الإخوان المستبعد خيرت الشاطر اعتبره مؤشراً واضحاً على توجهات اللجنة، وهو ما حرصت جماعة الإخوان المسلمين على تأكيده على لسان محاميها عبد المنعم عبد المقصود، الذي علّق على قرار اللجنة بأنه غير قانوني. ورأى أن من شأنه الإضرار بأمن مصر، متسائلاً: «لماذا لم تعامل اللجنة خيرت الشاطر كما عاملت شفيق؛ فحكمت لصالح شفيق بأن هناك شبهة عدم دستورية في قانون العزل السياسي، ولم تفعل مع الشاطر في ما يتعلق بعدم دستورية المادة 6 من قانون الأحكام العسكرية التي استُبعد الشاطر بموجبها، رغم وجود طعن أمام المحكمة بعدم دستوريتها منذ 1995 ولم يفصل فيها».
أما أنصار أبو إسماعيل، المعتصمون في ميدان التحرير منذ الأسبوع الماضي، اعتراضاً على قرار استبعاد مرشحهم، فرأوا أن عودة شفيق إلى سباق الرئاسة «خير دليل على عدم نزاهة اللجنة»، مبررين اتهاماتهم بأن اللجنة أعادت شفيق إلى الانتخابات بدون حكم قضائي ورفضت عودة حازم رغم حصوله على حكم قضائي. وردّدوا هتافات، ردّاً على القرار، بينها «يسقط يسقط حكم العسكر»، «الشعب يريد عزل الفلول»، «يا مشير قول لعنان الثورة لسة في الميدان».
ورغم أن القائمة النهائية لمرشحي الرئاسة التي أعلنتها اللجنة أمس ضمّت 13 مرشحاً، إلا أنه واقعياً انحصر سباق الرئاسة في مصر قبل 27 يوماً من انطلاقه في عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح ومحمد مرسي، إلى جانب حمدين صباحي. ووفقاً للمراقبين، فإن المتضرر الوحيد من عودة شفيق هو عمرو موسى الذي ينافسه على كسب أصوات الفلول ومؤيّدي الاستقرار من حزب الكنبة. وهو ما حاول موسى نفيه في حوار تلفزيوني أجراه أول أمس، برفض وصفه بالفلولي قائلاً «من يقولون عليّ «فلول» هم من اختاروا الدكتور عصام شرف لرئاسة الوزراء، وهو من كان وزيراً سابقاً وعضواً في أمانة السياسات بالحزب الوطني المنحل». وأضاف «دخلت في خلافات عديدة مع النظام السابق وتشجعت لحق الفلسطينيين، ولذلك أبعدت من الوزارة.
ويؤكد مراقبون أن تضاؤل فرص موسى يصبّ في مصلحة المرشح الإسلامي المدعوم من القوى الثورية عبد المنعم أبو الفتوح الذي بدأت أسهمه في التصاعد عقب إعلان الجبهة السلفية وقوفها إلى جانبه في الانتخابات الرئاسية، وهو ما يمكّن أبو الفتوح من الاستئثار بأصوات كثير من مؤيّدي المرشح السلفي المستبعد حازم أبو إسماعيل في مواجهة مرشح الإخوان الذي يعتمد على قدرة الجماعة في الحشد، إضافةً إلى تأييد الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح التي تضم 109 من كبار الشيوخ المنتمين إلى غالبية قوى الإسلام السياسي المسيطرة على غالبية مساجد مصر.

المرشّحون يخطبون ودّ سيناء في ذكرى تحريرها





زحمة مرشحين استفاقت عليها سيناء في الذكرى الثلاثين لتحريرها من العدو الإسرائيلي، سعياً وراء الحصول على أصوات أبنائها. وعود كثيرة سمعها السيناويون من دون أن يتوقفوا عندها خوفاً من أن تتبخر بعد الانتخابات

احتفل المصريون، أول من أمس، بالعيد الثلاثين لتحرير سيناء من العدو الإسرائيلي، مردّدين كلمات الشاعر عبد الرحمن الأبنودي التي تغنّى بها عبد الحليم حافظ «صباح الخير يا سينا... رسيتي في مراسينا... تعالي في حضننا الدافي... ضمينا وخدينا يا سينا... قالوا الحياة غالية... قلنا الشرف أغلى... بلادي يا بلادي يا عيون قمر الربيع... اندهي يا بلادي يجاوبك الجميع».
مظاهر احتفال المصريين التي لم تكن تتجاوز في عهد حسني مبارك ترديد الأغنية مع متابعة خبر وضع مبارك لإكليل الزهور على قبر الجندي المجهول، وهو «نصب تذكاري جرى تشييده لتخليد ذكرى المصريين الذين فقدوا أرواحهم في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، وجرى افتتاحه في أكتوبر 1975»، فضلاً عن وضع إكليل زهور آخر على قبر الرئيس الأسبق أنور السادات، شهدت هذا العام زخماً مختلفاً.
فإلى جانب قيام المشير محمد حسن طنطاوي بدور مبارك في وضع الزهور عند قبر الجندي المجهول، شهدت سيناء لأول مرة زيارة عدد من مرشحي الرئاسة لها، على رأسهم مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي إلى جانب مرشح القوى الثورية حمدين صباحي، وتخللها تقديم مزيد من الوعود التي طالما سمعها أهل سيناء في السنوات الماضية من رموز حكومات مبارك.
«أرض الفيروز» التي استشهد من أجل رمالها آلاف المصريين، لم تلق أي أولوية حكومية في العمران. فدائماً كان يتولى إدارتها لواء جيش من الموثوق بهم. أما موارد سيناء الاقتصادية من العقارات إلى البترول والغاز الطبيعي الذي يغطي أكثر من 40 في المئة من شبكة الكهرباء في إسرائيل، فقد عهدت طوال سنوات حكم مبارك إلى صديق الرئيس المخلوع الهارب، حسين سالم. واقتصرت رؤية مبارك وسالم لسيناء على أنها منطقة معاهدة «كامب ديفيد». فكانت كل أهدافهما فيها مرتبطة بالحفاظ على بنود الاتفاقية التي قسّمت سيناء إلى ثلاث مناطق غير مسلحة بعتاد من شأنه تهديد الكيان الصهيوني. أما الإعلام الرسمي، فلم يذكر سيناء إلا بسبب «الحملات الأمنية» والسلاح والتهريب والأنفاق إلى غزة وإسرائيل التي يملأ مواطنوها فنادق سيناء.
وضع لم يتبدل كثيراً مع اندلاع ثورة 25 يناير، إذ إن اندلاع الثورة لم يترتب عليه سوى زيارة رئيس الحكومة السابق عصام شرف لسيناء، وهي الخطوة التي اعتبرها السيناويون بريق أمل في إمكان انتزاع شبه جزيرة سيناء من الحصار والعزلة اللذين فرضهما عليها نظام مبارك وعلاقته القوية بالكيان الصهيوني. إلا أن الأمر توقف عند الزيارة ولم يجاوزها. فرغم وعود شرف بتمليك أراضي سيناء لأهلها، لم يخرج الأمر عن إطار الوعود.
ولكن العيد الثاني لتحرير سيناء بعد الثورة له مذاق مختلف. فشهدت سيناء زخماً سياسياً لم تعتده من قبل بزيارة عدد من مرشحي الرئاسة لها وتقديم مزيد من الوعود، رغم أن الزيارة سبقها عرض المرشحين لمشاكل سيناء على استحياء في برامجهم الانتخابية. فلم تذكر برامج معظم المرشحين للرئاسة سيناء بأكثر من سطرين. برنامج المرشح الرئاسي حمدين صباحي اكتفى بالتأكيد على أنه سيسعى في حال توليه رئاسة مصر إلى تعمير سيناء، من دون أن يذكر صباحي مدى اختلاف مفهومه عن التعمير عن المفهوم الذي طالما أكد عليه مبارك. أما المرشح الإسلامي عبد المنعم أبو الفتوح، فتحت بند الوعود داخل برنامجه الانتخابي تعهد بأن يعمل على زيادة استثمارات الدولة في المناطق الحدودية من النوبة وحلايب وشلاتين وسيناء وسيوة وغيرها، في حين كرر المرشح المحسوب على نظام مبارك، عمرو موسى، رؤية الرئيس المخلوع في حل مشاكل سيناء، مؤكداً أن برنامجه الانتخابي يعطى أولوية لاستعادة الوضع الأمني في سيناء، والعمل على تملّك أهالي سيناء لأراضيهم والقضاء على التمييز ضدهم في تولّي الوظائف العامة والالتحاق بالجيش والشرطة والقضاء. كذلك تقوم رؤية موسى على وضع نهاية لعقود التهميش والإقصاء والظلم التي عانى منها أهالي سيناء؟ إلا أن نصيب سيناء الأوفر في برامج المرشحين جاء من خلال مرشح الإخوان محمد مرسي، الذي لم يكتف بزيارة سيناء ولا بالحديث عن مشاكلها، بل خصص لها ملحقاً خاصاً ضمن برنامجه الانتخابي يحمل اسم «خطة تنمية سيناء». وتقوم خطة مرسي على تقسيم سيناء إلى خمسة أقاليم تنموية. فيختص إقليم شمال سيناء وعاصمته العريش بالمشروعات الزراعية والتجارية والصناعية ورعي الماشية، وإقليم وسط سيناء بمشروعات التعدين والصناعات الصغيرة، وإقليم غرب سيناء (القنطرة) بمشروعات الزراعة والتجارة والرعي، وإقليم جنوب شرق سيناء (نويبع) بالمشروعات السياحية، إضافةً إلى إقليم جنوب غرب سيناء (الطور) ويختص بمشروعات السياحة والتعدين واستخراج البترول، مع ربط سيناء بخطوط سكك حديد تربطها بمحافظتي السويس والإسماعيلية. برنامج مرسي لم يكتف بذلك، بل حدد ميزانية التعمير بـ20 مليار جنيه خلال 5 سنوات.
المراقبون أكدوا أن زيارة بعض مرشحي الرئاسة لسيناء لا تخرج عن كونها مجرد دعاية انتخابية ومحاولة لزيادة الجماهيرية، لافتين إلى أن رؤية كثير من مرشحي الرئاسة لتعمير سيناء غير واضحة وتفتقد الدراسة المسبقة، فضلاً عن تقديمهم الدعاية نفسها التي كان يردّدها مبارك.
من جهته، قال الكاتب السيناوي مسعد أبو فجر، إن أهل سيناء يريدون من رئيس مصر القادم أن يدرك أنهم يعانون من مشكلة هوية. فرغم أن عددهم يجاوز نصف مليون نسمة، إلا أنه لا يوجد سوى شخص واحد يمثلهم في البرلمان. أبو فجر لفت إلى أن الرئيس القادم لا بد أن يرسخ الهوية المصرية بين السيناويين الذين عاملهم مبارك كخونة وعملاء، بل ولم يعترف بمصرية الكثير منهم. وخلص أبو فجر في حديثه إلى أن مبارك لم يقدم لسيناء خلال سنوات حكمه سوى تقسيمها إلى محافظتين شمالية وجنوبية.
رنا...