بعد صدور القرار 2042 عن مجلس الأمن الدولي بخصوص إرسال الدفعة الأولى من المراقبين الدوليين إلى سوريا، بدأت مناورات سياسية في ردهات المجلس وبين عواصم القرار الدولي، حول إصدار القرار التالي للسماح بإتمام إرسال المراقبين الـ300 إلى البلاد، وتنظيم عملهم وعلاقتهم بالسلطات السورية. وأمكن في النهاية التوصل إلى القرار الجديد الذي حمل رقم 2043، ولكن بعد مفاوضات لم تكن يسيرة، خصوصاً بين الروس والأميركيين.


وكشف مصدر دبلوماسي عن الجانب الأساسي من هذه المفاوضات، موضحاً أنه في الأساس، «كان هناك مقترحان: الأول ينص على إرسال 300 عنصر غير مسلّحين، وآخر يقترح إرسال 350 عنصراً». ويشرح المصدر أن الروس أصرّوا خلال التفاوض على مضمون القرار 2043، أن يأتي القرار خالياً من أي تهديد بعقوبات ضد دمشق، أو تهديدات باستخدام القوة ضدها، أو حتى محاولات لفظية في النص تؤدي إلى هذا التفسير.
وكانت موسكو بهذا الموقف، تردّ على كلام وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه، عشية صدور القرار 2043، الذي توقع فيه أن يتضمن القرار عقوبات ضد سوريا أو تهديداً بفرضها. ويكشف الدبلوماسي نفسه أن مسؤولاً في وزارة الخارجية الروسية أوضح له جانباً من أسرار المفاوضات الاميركية ــ الروسية التي أدت إلى صدور القرار 2043 بشكله الحالي. قال المسؤول الروسي إنّ «فكرة إصدار هذا القرار أميركية أساساً، وهو ما دعمته موسكو بما أنه كان اقتراحاً متّزناً، ويخدم استمرار العمل بالتوافق الأميركي ــ الروسي السابق، الذي ينص على أن يتم في كل مرحلة من مهمة المبعوث الأممي ــ العربي كوفي أنان، العودة إلى مجلس الامن للتفاهم على تنفيذ الخطوة التالية في نطاقها طالما أنه لا توجد نظرة واحدة بين البلدين حول الغايات التي ستفضي إليها كامل مهمة أنان». ويتابع الدبلوماسي الروسي موضحاً أن الاميركيين «يرون أنها ستؤدي الى تغيير في سوريا من دون بقاء الرئيس بشار الاسد، حتى لو أنهم لا يعلنون عن ذلك، بينما روسيا تقول إن على الشعب السوري أن يختار في نهاية الأمر من يحكمه، وتعتقد أن الأسد لا يزال قادراً على قيادة الحل في بلده».
ويتابع الدبلوماسي الروسي إخبار محدّثه أن موسكو، بعد صدور القرار 2042 الذي سمح بإرسال الدفعة الأولى من المراقبين الثلاثين إلى سوريا، تحاورت مع واشنطن على صيغة القرار 2043، الهادف إلى إرسال كل المراقبين المتبقّين. ويشرح أن موقف موسكو أصرّ على أن يكون القرار 2043 «قصيراً وفنياً بحتاً، ويكرر النصوص السابقة الواردة في القرار 2042. الأميركيون ردوا بأن إصدار قرار فني غير ممكن في ظل المخالفات المتعددة لوقف العنف». ويختم الدبلوماسي الروسي أنه في النهاية، صدر القرار بنصّ أقرب لما تريده روسيا، بدليل أنه خلا من أي تهديد لسوريا، وجاء مقتضباً وفنياً، باستثناء الاشارة التي وردت في ختامه والتي راعت واشنطن بإصرارها على أن «العنف مستمر من قبل النظام، وتم التعبير عن موقف واشنطن بالعبارة التالية في القرار: إنّ استمرار تدخل المؤسسة العسكرية يعرقل المهمة، ويعرقل مهمة أنان ويوقف تقدم ثقافة الديموقراطية».
وفي السياق، يكشف الدبلوماسي الروسي عن وجود صراع في كواليس مجلس الامن حول خطة أنان، تحديداً بين مفهومين، «الأول يقوده محور دول أصدقاء سوريا (وهو ما لم تذهب واشنطن في مسايرته رغم أنّ قلبها معهم) يريد إسقاط الأسد من خلال تحميل مهمة المراقبين تأويلاً سياسياً يسمح للمعارضة باستغلال وجودهم لتزخيم التظاهرات وجعل بعض المدن والمناطق تحت سيطرة التنسيقيات والجيش السوري الحر والمسلحين». وعن الطرف الثاني، فهو يضم «النظام السوري وروسيا بشكل أساسي، يريد تثمير خطة أنان وتطبيقات بنودها الست، في عملية نقل سوريا من الحرب إلى السلم، والأهم إلى حل وسط بقيادة الأسد بشكل ينهي الازمة السورية»، مع إشارة المصدر إلى أن لدى موسكو قناعة ببلورة استراتيجيا لفريق المراقبين تسمح على مدى معين بتنفيذ الرغبة الثانية، «لذلك كنا مؤيدين لصدور قرار من مجلس الامن حول مهمة وأسلوب عمل فريق المراقبين الدوليين».
ويوحي توصيف الدبلوماسي الروسي الآنف الذكر، بأن وصول المراقبين الدوليين إلى سوريا سيشكل بداية مرحلة جديدة من استمرار الصراع بين وجهتي نظر: الأولى تريد استغلال وجودهم لتوظيفها تحت عنوان إسقاط الأسد، والثانية تريد توظيف وجودهم بالاضافة إلى تطبيقات كامل بنود خطة أنان الأخرى، لإنتاج «حل سياسي وسط للأزمة السورية» بقيادة الأسد دائماً.
أمام هذا الواقع المعقد، يبقى السؤال: مَن سيربح الجولة الجديدة من الصراع على سوريا التي بدأت مع وصول المراقبين؟ الاجابة عن السؤال تتطلب توضيح الصورة الراهنة في سوريا بعد تجربة الأسبوع الأول من عمل طليعة المراقبين الدوليين، وفهم كيف يتصرف هؤلاء، وما إذا كان في سلوكهم على الأرض مؤشرات إلى أنهم ينفذون البند الثاني من خطة أنان حول الاشراف على وقف العنف، أم انهم ينفذون أجندة دول «أصدقاء سوريا» بخصوصها.
وقائع الأسبوع الأول من عمل المراقبين
الأسبوع الماضي، وصلت إلى مطار بيروت ست طائرات ايطالية على متنها مجموعة المراقبين في اطار الدفعة الثانية، وبحوزتهم معداتهم اللازمة لمهمتهم. وأُخطرت مديرية الاستخبارات في الجيش اللبناني بوصولهم عبر اتصال من قيادة «اليونيفيل» في الناقورة، التي طلبت أيضاً إذناً يسمح للمراقبين بالمرور براً إلى سوريا مع عتادهم عبر الاراضي اللبنانية. وتمت الاستجابة للطلب خلال فترة زمنية مناسبة.
ثمة سؤال يطرح نفسه في هذا السياق، وهو لماذا يستعمل «المراقبون الدوليون» مطار بيروت محطة للانتقال منه براً إلى سوريا، ولا يستخدمون مطار دمشق، علماً أن الخيار الأخير أسهل لوجستياً؟ وهناك أيضاً سؤال آخر، لفهم سبب جعل مقر قيادة «اليونيفيل» في الناقورة يتولى مهمة طلب الإذن من استخبارات الجيش لمرور المراقبين، وليس أي جهة أخرى تابعة للأمم المتحدة، أو ممثلاً عن مكتب أنان في جنيف مثلاً؟
مصدر مطلع أجاب عن جملة هذه التساؤلات، فكشف أن المراقبين الدوليين في سوريا تابعون ادارياً ولوجستياً لمقر قيادة «اليونيفيل» في الناقورة، وهذا يكشف جانباً من الأسباب التي حدت بالأمم المتحدة، قبل نحو ثلاثة أسابيع، إلى جس نبض امكانية أن تسمح الحكومة اللبنانية لـ«اليونيفيل» باستخدام مطار رياق في البقاع في عمليات نقل المراقبين الدوليين من وإلى سوريا، وإيصال الأعتدة إليهم عبره، وأيضاً تطوير وظيفته تحت إشراف «اليونيفيل» وعبر المراقبين الدوليين، ليُستخدم في عمليات نقل مساعدات انسانية للنازحين السوريين. ويكشف المصدر عينه أنه خلال آخر مناقشة عامة مغلقة في مجلس الأمن حول القرار 1701، تمّ إبلاغ المندوبين الدائمين بموافقة الأمم المتحدة على افتتاح مكتب لقيادة «اليونيفيل» في تل أبيب. وتأتي هذه الخطوة في اطار وجود نظرة دولية لإيجاد اتصال لوجستي وعملياتي بين قيادة «اليونيفيل» في الناقورة، وبين مكتبها الذي تم استحداثه في تل أبيب، وبين وحدة المراقبين الدوليين التي بدأت انتشارها في سوريا. ويضيف المصدر أن الرؤية الدولية الغربية لمهمة المراقبين في سوريا انشأت ربطاً بين مجمل دور «القبعات الزرق» و«الاندوف» في كل من سوريا ولبنان والجولان المحتل ومكتب اليونيفيل في إسرائيل، وليس واضحاً ما هي خلفيات إنشاء هذا الربط بعد.
وبعد أسبوع من بدء عمل الدفعة الأولى من المراقبين الدوليين على الأرض، تم في سوريا، وبالاستناد إلى رصد السلوك اللوجستي الذي أبداه المراقبون في تنفيذ مهامهم، بلورة الملاحظات الأساسية التالية:
الملاحظة الأولى التي استنتجتها السلطات السورية قبل وصول الدفعة الاولى من المراقبين الدوليين، وبالتحديد خلال إرسال وحدة سابقة منهم، بقيادة النرويجي الجنرال روبرت مود إلى سوريا للتفاوض على وضع الملامح الأولى لبرتوكول تنظيم عمل المراقبين الدوليين في سوريا. وقد روى وزير الخارجية السوري وليد المعلم وقائعها إلى نظيره الروسي سيرغي لافروف خلال لقائهما الأخير في موسكو، إذ قال «رغم أننا كنا قد أنجزنا نحو تسعين في المئة من التفاهم مع مود حول نقاط البرتوكول، إلا أننا فوجئنا أنه قام بمغادرة سوريا على نحو غير مفهوم وانفعالي». وأضاف المعلم أن مود طلب من السلطات السورية السماح له بزيارة حمص، لكن الأخيرة استمهلته لبعض الوقت لأن الطريق إليها من دمشق غير آمن في الوقت الراهن، وكان جوابه أنه «إذا كان الطريق اليوم غير آمن، فستكون هذه حاله غداً أيضاً». ثم غادر مود سوريا، ليرفع إلى أنان، بحسب معلومات دمشق، تقريراً يوضح فيه أن سوريا لم تتعاون مع مهمته، وأن أحد كبار ضباط الأجهزة الأمنية السورية قال له بلهجة عسكرية فجة إنه «سيتم القضاء على البؤر المسلحة المعارضة مهما كلف الأمر». ووفق معلومات المعلّم، في محاولة لافتعال أزمة مبكِرة بين بعثة المراقبين وسوريا، قام مود بتقديم استقالته ليحل مكانه العقيد أحمد حميش المغربي الجنسية. وعلّق لافروف في حينها على هذه الرواية، بأن مود «يكره السوريين منذ كان يعمل قبل سنوات ضمن عناصر الهدنة في الجولان»، وأشار إلى أنه «لا يستغرب ذلك لأن النرويج تلعب دور البوق السياسي للأميركيين».
الملاحظة الثانية أمكن لدمشق استنتاجها عن المراقبين الدوليين بعد دراستها لتجربة أول أسبوع من قيام الدفعة الأولى منهم بقيادة العقيد المغربي حميش، بمهمامها على الارض. ويورد مصدر سوري وقائع هذا الاسبوع على النحو التالي:
أولاً، كان لافتاً ظهور صورة في الاعلام لأحد المراقبين وهو يتابّط ذراع ضابط من «الجيش السوري الحر» وسط ساحة بلدة الرستن، ويسير معه وسط حشد من الناس. ولم يكن خافياً أن هذه الصورة تمّ توزيعها عن قصد، «كرسالة للمواطنين السوريين مفادها أنه بات بوسعهم الآن، مع تواجد المراقبين، الخروج في تظاهرات من دون خوف». وبعد استعلام السلطات السورية عن الأمر، تبين أن العنصر التابع للمراقبين الذي ظهر في الصورة، هو ضابط في فريق المراقبين ومن الجنسية المغربية (هناك معلومات عن أنه هو نفسه رئيس البعثة حميش)، مع الاشارة إلى وجود توجُّه لأن يقدّم استقالته من الفريق بعد الملاحظة شديدة اللهجة التي وجهتها سوريا لبعثة المراقبين، اعتراضاً على تصرفه.
ثانياً، كان لافتاً ما حصل في داريا قبل أيام، عندما تزامن نزول متظاهرين فيها مع وصول مراقبين إليها. ولم يكتفِ هؤلاء بالتظاهر، بل قاموا برشق وحدات الأمن المتواجدة بالحجارة، فيما التزمت الأخيرة بعدم الرد. وفي الليلة نفسها، أبلغ المراقبون السلطات السورية بأنهم يعتزمون في اليوم التالي التوجه الى درعا، لكنهم بدل ذلك توجهوا إلى داريا مجدداً. وبحسب السلطات السورية، «ليس خافياً أنهم أرادوا نصب كمين لقوات الأمن، فهم اعتقدوا أن قوات الامن ستذهب إلى البلدة، بعد خروج المراقبين منها، لتنتقم من الأهالي الذين رشقوها بالحجارة». ووفق المصادر نفسها، يفسّر هذا السلوك للمراقبين بأنهم يتصرفون بأسلوب «نصب الكمائن» لقوات الأمن السورية، واصطياد أخطاء لها، لتوظيفها سياسياً في مجلس الامن ضد سوريا.
لكن أخطر استنتاج يسود حالياً في دمشق، بعد الأسبوع الأول من تجربة المراقبين الدوليين في سوريا، هو أن الأخيرين لديهم على ما يبدو خطة مسبقة، تهدف إلى خلق ثلاث بيئات جغرافية تصبح تحت سيطرة المعارضة بحماية منهم، وذلك في المناطق التالية: بلدة القصير (في حمص) وبعض محيطها، ومنطقة في شرق دير الزور مع المدينة، والثالثة في درعا وبعض قراها.
ويقول المصدر السوري ان دمشق ابلغت الجانب الروسي والصيني العامل في اطار المراقبين الدوليين في سوريا بهذه الاحتمالات، وحذرت من أن السلطات السورية لن تتساهل معها.




روبرت مود عائد

كشف دبلوماسيون أن الجنرال النرويجي روبرت مود سيعيَّن مجدداً اليوم رئيساً لبعثة مراقبي الأمم المتحدة في سوريا، بعدما وجّه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى مجلس الأمن رسالة أبلغه فيها بعزمه على تعيينه، علماً أنّ مود عُيِّن في الفترة الأولى رئيساً للمراقبين قبل استبداله بالضابط المغربي أحمد حميش.
ولا يتوقع المراقبون أي اعتراض من جانب البلدان الـ15 الأعضاء في مجلس الأمن على تعيين الرجل. وكان مود (54 عاماً) قد تفاوض مع النظام السوري على نشر أول 30 مراقباً للأمم المتحدة. وسبق له أن أوضح، في مقابلة أجرتها معه أخيراً وكالة الأنباء النرويجية، أن هناك «هوة من الشكوك والعنف تفصل بين النظام السوري والمعارضة».
ويفترض أن يباشر الضابط النرويجي مهمته مع نهاية الاسبوع المقبل، علماً أن رئيس عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام، الفرنسي ارفيه لادسو، أوضح أن انتشار 100 مراقب مع عتادهم يتطلب شهراً.
(أ ف ب)