أعلن الشيخ أبو النصر استقالته من حزب «النور» السلفي في مصر، والعودة إلى العمل الدعوي، لأنه ليس أهلاً للسياسة، ولأنها ليست لعبته، ولأنه «كان من المفترض أن يسمعوا كلام الثوار ويسيروا خلفهم». هي لحظة وعي كاشف لم يصل إليها النائب السلفي أنور البلكيمي، صاحب قصة الأنف الشهير الذي دفعه إلى اختراع كذبة كبيرة بشأن تعرُّضه لاعتداء وهمي ليخفي إجراء عملية جراحية لتجميل أنفه، وهو ما يحظره الفكر السلفي.


غادر البلكيمي حياته الجديدة، وعاد بعد رحلة قصيرة إلى بلاد العجائب، ووصل إلى القاهرة منتصراً على مقعد أحمد عز، أيقونة نظام حسني مبارك، جامعاً كل خصائص شخصيات دُفعت دفعاً لملء الفراغ السياسي. سائق الميكروباص (النميمة تقول توك توك كمحاولة للتصغير من الشأن) تحوّل إلى شيخ وخطيب في جامع في مدينته الصغيرة، ولم يُعرَف في السياسة قبل أن يحشده حزب «النور» على قوائم البرلمان، باعتباره «الموديل السلفي» الطبيعي.
«النور» أقرب إلى أن يكون جبهة بين جمعيات سلفية جديدة على التنظيم، اختارت عضويتها وقادتها ونوابها من عناصر مؤثرة في التجمعات الصغيرة، وهيكلها القيادي مقسَّم بين «المشايخ» و«نشطاء سلفيين» تدرّبوا في مراكز تدريب سياسية غربية. البلكيمي وجد نفسه في السلطة فجأة كواحد من «غرباء ضالّين» في مدينة واسعة. هُم شخصيات تجمع بين الطيبة والقدرة على التحايُل التي يشتهر بها الفلاح القديم، في مواجهة الطبيعة والحكام الغاشمين.
البلكيمي صدمته أجواء المدينة، وأدرك أن السياسة شيء أكبر ممّا تخيّله أو تعامل به مع رفاق الدائرة الصغيرة. هل هي أضواء الإعلام؟ أم مزاج الجماعة الكبيرة حيث يتحرّر الشخص من ثقافته بالتدريج وفي السر؟ المشكلة ليست في أن البلكيمي أجرى جراحة تجميل، لكنها تكمن في أنه أخفاها، وصنع حكاية كاذبة تصوَّر أنها ستمرّ.
لم يكن يعرف أن السر سيُكشف ويتحول إلى فضيحة لا تكشف عن السذاجة المتناهية فحسب، بل تكشف أيضاً ترهُّل فكرة الاضطهاد التي يعيش عليها الإسلاميون. عندما اخترع البلكيمي حكاية محاولة الاغتيال، خرج مصدر من حزبه يقول «إنها حلقة في سلسلة استهداف الإسلاميين». وعندما انكشف الخداع وهاجت الدنيا على البلكيمي، لم يجد سوى السير بحماية أسطورة الاضطهاد، وقال «لقد هاجمني الإعلام لأنني من التيار الإسلامي».
يبدو أنّ العودة إلى أسطورة الاضطهاد هي الأسلوب الوحيد لمواجهة صدمات «الديموقراطية» التي عاد عبد المنعم الشحات من كهفه ليعاود الهجوم عليها، لكونها «ضدّ الإسلام». لا يكمل الشحات عبارته لنعرف أن «الديموقراطية ضد الإسلام» كما يراه هو.
لا يزال الشحّات (وغالباً هو شخص طيّب آخر) يعيش في أجواء الصدمة الأولى بين الإسلام والحداثة. اختلط الموت بالحضارة، والاحتلال بالتحديث، وهنا ظهر مفكرون ومجددون من رفاعة الطهطاوي إلى محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي وقاسم أمين ومصطفى عبد الرازق وطه حسين، ممن صنعوا جسوراً وكتبوا وصفات تخفف آلام الصدمة وتستنهض سكان هذه المنطقة التي أظلمتها الخلافة العثمانية، لالدخول في العصر الجديد.
ليس الإسلام ضد الديموقراطية إذاً. لكنّ نوعاً من المسلمين لا يزال عند الصدمة الأولى. الشحات من هذا النوع الذي يريد أن يعطي لصدمته ملمح النبل والنقاء، ليبدو وحده حاملاً للنظرة الصحيحة، ومضطهداً لأنه حاملها. هنا تطلّ الفاشية من خلف الطيبة والسذاجة. البلكيمي ليس الشحات، ولكنه نسخته القادرة على التكيّف أكثر مع صدمته. خجل البلكيمي من رغبة «التجميل»، وهذا الخجل هو ما دفعه لارتكاب خطيئة سياسية. أراد أن يصنع من الخجل بطولة، ولم يجد في عقله إلا سيرة المضطهد، الضحية، المستهدف... اخترع الرجل حكاية الاعتداء وسرقة أموال سيارته الحديثة.
إنها محاولة غبيّة في التعامل مع الصدمة، دفع ثمنها كاملاً من سمعته النيابية. ربما ظلّ كما هو طيباً، لكنه أظهر ما في الطيبة من فاشية أحياناً. الضحية تتحوّل إلى فاشية عندما تجد حولها قوة ما.
لقد اعتاد البلكيمي قيادة الحشد من المسجد إلى الحزب. ملأ فراغ السياسة عندما كانت ممنوعة ومحرَّمة وحين كان السياسي مطارَداً، ومقار الأحزاب ملعونة. لم يكن لدى الجموع إلا الجامع. ليس جميع من يعتلون المنبر مؤهلين ليكونوا صناع رأي عام أو قادة بالمعنى السياسي. عدد كبير منهم نراهم نواباً لا يميّزون بين خطبة الجماعة والكلام في البرلمان، ولا بين منصة السياسة ومنبر الجامع. البلكيمي ضحية مثيرة للرعب، تماماً مثلما قاد سيارته وعلى أنفه الشهير ضمادات جعلته يبدو كائناً متحوِّلاً أو من أهل الفضاء أو الكهوف. هذه الكائنات تغادر إذاً... إلى أين؟




فتاوى تحت الطلب


ميكروفونات الميدان حملت صوت الشيخ من على الهاتف. الشيح حازم أبو إسماعيل لم يأتِ، لكنه تحدث بالهاتف. طالب المئات من المعتصمين بتعليق الاعتصام، لكنهم رفضوا. قالها بحنان الأب الخائف على رعيته، وردوا عليه بقوة الجنود في معركة الدفاع عن دين الله. مشاهد تبدو مثيرة لمنقّبات في الميدان، نساء قلن للصحف «نحن لا ندافع عن الشيخ، ولكن عن إعلاء كلمة الله». إنهنّ في لحظة جهاد، بعدما كان نزول الفتيات إلى الميدان خطيئة اجتماعية. «ما الذي ذهب بهنّ إلى الميدان؟ لماذا لا يبقين في بيوتهن؟». هذه نبرة الخطاب السلفي المتهكّم على كسر الفتيات قواعد الثقافة المحافظة. إنها تناقضات مركبة ومربكة، فالمرأة هي الإعلان المتحرك عن الشعور بالعار من الحداثة الذي قامت عليه جماعات السلفية كلها. الطريق السلفي يقوم على العودة الى الحجاب الذي خلعته هدى شعراوي في محطة القطار لحظة عودتها من روما، رمزاً لتحرر المرأة وخروجها من كهف القرون الوسطى. لم تكن أمهاتنا خارج الإسلام حين كنّ يرتدين ملابس عصرية، وليست السيدة المحجّبة الآن خارج العصر. هذه التناقضات تتكشّف الآن، وكما لم يكن من قبل، لم يعد الحجاب حاجزاً عن التفكير الحر الحديث أو معبِّراً عن تلك الجماعات، وهذا انتصار على ثقافة القبيلة التي أرادت العودة بنا إلى الوقوع في أسر فتاوى تحت الطلب الذكوري.



دولة مماليك تحكمها الصبغة






عمر سليمان يبحث عن مكان. يصنع صورة لنفسه مندوباً للعناية الديموقراطية. هو عاتب على الحملة «الهستيرية» الرافضة لترشيحه. صورة المخلِّص جديدة على مدير الاستخبارات، وحزنه على أنه حُرم من تلبية انتظارات الجماهير جديد أيضاً. بيان عمر سليمان يكشف عن ركاكة أطلال الديكتاتورية، بعدما حرمت من كل أصباغها، وأصبحت عارية أمام جمهور عاش سنوات طويلة في رعاية «نظام ميت». هذه بلاد حُكمت بالصبغة. صبغة الشَّعر لتخفي سنوات عمر الحاكم. وصبغة المدنية لتخفي طبيعة الدولة المملوكية (العسكرية). كل حاكم يختار نوع صبغته ليخفي عمره، فالحكم في أعراف المماليك يرتبط بالفتوّة والخدعة. وماكياج الموتى لا يزال يغطّي وجوه حسني مبارك وحاشيته في السجن وفي ردهات الحكم الانتقالي. في المقابل، يضع الحاكم على وجهه ماكياج الموتى ليخفي العمر الممتد وملامح العجز الواضحة تماماً. ماكياج الموتى يضعه اليابانيون على الموتى قبل ذهابهم إلى النهاية. بينما هنا، فالحكام يقاومون بماكياج الموتى الذهاب إلى النهاية.
تأمُّل وجوه الحكّام وورثتهم يجعلنا نرى مومياءات تحارب الأحياء. في جولة ثانية، يسعون إلى قتل الروح التي خرجت من جثة شعب بدا أنه استسلم لحكم القهر كالعبيد الذين يرون في عبوديتهم قدراً. المماليك يصبغون رؤوسهم عملاً بأعراف كبيرهم الذي سقط بسبب سماعه كلام العائلة. دفع ثمن خيانته لعصابته من المماليك الصغار. المماليك الصغار يدافعون الآن عن جمهوريتهم بكل ما يمتلكون من ماكينة إدارة الدولة بالأجهزة السرية. المسؤول في مصر كانت مهمته تأمين مكانه بالمعنيَين: العام (تأكيد السيطرة السياسية والأمنية) والخاص (الحفاظ على الكرسي أطول فترة ممكنة بعيداً عن عواصف سكان القصر العالي). هذا هو المفهوم الذي أُديرت به المرحلة الانتقالية. النظام لا يتمتع بالكفاءة، لكنه يعتمد على الماكينة التي تصب في النهاية لمصلحة استمراره.
لهذا أبقى المجلس العسكري مفاتيح الماكينة (النائب العام ورئيس المحكمة الدستورية مثلاً). ورغم ثبات الفشل وعدم الكفاءة للمجلس، إلا أنهم، وبالماكينة الكبيرة الذكية، استطاعوا أن يحافظوا على موقع النظام، مع استبعاد أوراقه الميتة، مثل عمر سليمان. المدهش أنّ ذا الوجه الكئيب خدع الجميع للمرة الثانية بغموضه وملامحه التي توحي بشخصية تعرف عدد حبّات المطر التي تسقط على سطح النيل. لكنه كان متهافتاً ومرتبكاً لا يملك كفاءة «تستيف» ورقه. الكفاءة تغيب هنا لأن الرجل الغامض اعتاد على أن كفاءته تعتمد على غياب الآخرين وعلى صورته، لا على حقيقته.



ما قل ودل

طالب مجلس الشعب المصري مفتي البلاد، علي جمعة، أمس، بتقديم استقالته بعد الزيارة التي قام بها للقدس الأسبوع الماضي وأثارت الكثير من الجدل. وحصلت توصية من لجنة الشؤون الدينية والاجتماعية والأوقاف بالمجلس، تطالب المفتي بالاعتذار وتقديم استقالته، على موافقة الأغلبية في مجلس الشعب. وفي السياق، تظاهر العشرات من الناشطين المصريين أمس أمام دار الإفتاء بالقاهرة، مطالبين بإقالة جمعة.
(أ ف ب، يو بي آي)



«الإخوان» والماركة التجاريّة الحصريّة



خيرت الشاطر متردِّد. هذا ما رواه رجل الماكياج والحلّاق وبقية الفرقة المستخدَمة في صناعة «النيو لوك» للرجل الغامض في جماعة الإخوان المسلمين. الشاطر أحال قرارات تغيير ملامحه إلى فريق كبير من المستشارين ممن أرادوا أن يخفوا قليلاً من جهامة الرجل الثاني ليناسب ذوق الناخبين. الشاطر غادر وبقي «الاستبن»، كما يسمّي المصريون النسخة الاحتياطي، ليكون هو «المرشح الإسلامي» الوحيد. هذا ما قاله الدكتور محمد مرسي (المرشح الاحتياطي) بنفسه في أول مؤتمر صحافي حرص فيه على التأكيد أنه «كاريزما» ولديه «عمق» في الرؤية.
السخرية الصادرة من حكاية المرشح الاحتياطي تكشف عن عقل «التكويش»، أو النظرة «التجارية» للسياسة، باعتبار أن الجماعة هي ماركة الانتخابات المسجلة، ولا يجب أن يستفيد منها «إخواني» سابق مثل عبد المنعم أبو الفتوح.
مفهوم العلامة التجارية يكاد يضيّع من «الإخوان» مسيرة طويلة من «الثقل المعنوي»، باعتبارها جماعة تمثل مشروعاً رصيناً ممتداً، رغم كل محاولات ضربه من السلطات المتعاقبة. الجماعة كشفت سريعاً بدون قناع «الاضطهاد» وسحره. ظهر وجهها السلطوي وانجذابها المفرط إلى مغناطيس القوة الحاكمة والغالبة. انجذاب فضحه غيابها تقريباً في كل المجالات، بما فيها الفقه، وبمن فيهم خيرت الشاطر، مهندس النهضة الواعد الذي لا يملك سوى شطارة الحصول على توكيلات تجارية. وقبل الشاطر، ظهر ذلك من استفتاء آذار ٢٠١١ حين خرجت جحافل «الإخوان» خلف صبحي صالح، مندوبهم في لجنة التعديلات، والذي لم يظهر إلا معرفة متهافتة بالقانون والدستور، وغالباً بالسياسة أيضاً.
صبحي وإخوته قادوا حملات التصويت لتعديلاتهم باعتبارها الطريق إلى الجنة، والاصطفاف في جيش الدفاع عن الإسلام. هم أنفسهم الذين غيّروا الطريق، عندما استخدم العسكر التعديلات بما لا يخدم خطتهم، فعاد صبحي وجماعته إلى الميدان. هذه آفة الإسلاميين؛ كل فصيل إسلامي هو محتكر السياسة الحلال، و«الإخوان» رائدو الاحتكار بامتياز ليكون المرشح «الاستبن» مثلاً هو المرشح الإسلامي الوحيد، بينما الدكتور أبو الفتوح ليس مرشحاً إسلامياً، لأنه ترك «الإخوان» أو أُبعد أو انشقّ. إنه إعلان عن علامة تجارية وليس عن معنى سياسي أو منظومة فكرية. «الإخوان» لا يملكون الآن سوى عقلية التجار، وهذا ما وصل إلى الوعي الشعبي.