ماذا هناك إن عدنا؟


سؤال وضعته صديقتي بين يدي ومضت. ماذا ستفعل لو تحررت فلسطين وأنت ما زلت حياً؟ لوهلة ضعت بين ما أريد أن أصفه. لساني الذي لا يكل من الكلام لم يقدر على أن يتحمل سيل الأفكار ويترجمها إلى كلمات. فلسطين حرة! ليس كيف، لنتجاوز هذه العقبة لمرة واحدة، ولنحلم. لا احتلال، لا حدود مغلقة، لا حقول ألغام، لا جنود، والشيء الوحيد الذي يحدّنا هو خطواتنا. فلسطين هناك ونحن عائدون، نطوي سنين اللجوء وننساها، لا لن ننساها كي لا ننسى نعمة الوطن. أرتال من البشر تسير، هل تذكرين مسيرة العودة، أجيال الشتات كلها تسير في نزوح معاكس، أذكر يومها أنني خففت الخطى وسرت. خطاي تشتد كلما وعرت الدرب، وقلبي ينهرني كلما وقفت لألتقط نفساً، هكذا ستكون الحال. آلاف تسير لن ننتظر عربات ولا سيارات ولا باصات. لن ننتظر من سيؤمّنون الدرب لنا لكي نعبر. تذكرين فجر التحرير في الجنوب، لم ينتظر الناس أحد، بحر من البشر يزحفون، يهزجون بمواولينا «يا مرج بن عامر، جايي رجالنا».آلاف تكسر بلاط المقابر، لن ننتظر فتاوى نقل الموتى ولا ما يحزنون؛ فللموتى حقهم بأن يشاركونا المسير. أحمل رفات جدي وجدتي وخالي وأمضي. أحملهم إلى بيارات يعبد ونابلس التي طالما حكوا لي عنها، لا أواريهم في الثرى، لهم الحق بإشباع الاشتياق. هل تتخيليننا هناك؟ هل تحلمين برؤية البحر من فوق سياج عكا، وأن تقطفي برتقالة من أمها في يافا، أن نهيم على وجوهنا في الجليل، وترويقة نابلسية وقهوة ناصرية. هل تتخيليننا نرفع أحلامنا في بيت لحم والقدس، أن نقف أمام ضريح محمود درويش ونقول له: «لقد خرجوا من مفردات الذاكرة فاسترح الآن قد صدقت نبوءتك»؟ هل تتخيلين قدما طفلك «تخطوان أولى الخطوات على تراب فلسطين»؟ ولا خوف من قناص ولا دبابة؟ أن ينمو ويكبر ويزف إلى عروسه بزفة أهل القرى التي أتى منها؟ أن تجلس عجائز الضيعة يجهزن حناء العروس ويحدون لها؟ هل تحلمين؟ وللحلم بقية.
طه السمور

فلسطين الهوية

ذكّرتني يا رفيقي بحادثة عندما كنت في الصف العاشر. كنتُ قد انتقلت من مدرسة رسمية إلى أُخرى، وكانت هناك العديد من الفتيات الآتيات من مدارس الأونروا. كان الصف مختلطاً، لبنانيات وفلسطينيات، وكان كثيراً ما يدور النقاش حول فلسطين والعودة إليها. أذكر ذاك اليوم وكأنه البارحة، سأل أستاذ اللغة العربية إحدى الصبايا: «لو تحررت فلسطين، فهل تعودين؟». أتى الجواب كالصاعقة، قالت: «لا، ولم أعود؟ حياتي بدأت هنا وأريدها أن تنتهي هنا (في لبنان)، ليس لي في فلسطين شيء!». أذكر يا طه كلامها الذي لا يزال يصفّر في أذني كنشاز مزعج. أذكر كيف نظرت إليها وهي تتكلم، أين كانت تقف بالضبط، من كان يجلس بجانبها وأمامها وخلفها، أذكر أن رفيقتها راحت تبكي، أذكر أن رفيقتها الأخرى امتنعت عن الكلام إليها أياماً عدّة، أذكر أني كنت قد تجنبتها أيضاً لأيام لا تُذكر. عند ساعة الاستراحة ظلّت تلك الفتاة كالمنبوذة بين الجميع لا يكلمها أحد. انتشرت «الخبرية» في المدرسة كلها، وأصبح جوابها وصمة عار حتى انتهت السنة الدراسية، وتركت أنا تلك المدرسة. سنون مضت قبل أن ألتقي بها مرة أُخرى. أصبحت طالبة في الجامعة تدرس الكيمياء الحيوية. تحدثنا قليلاً، سألتها عن خططها المستقبلية، أجابت ببرود: «رح أعلّم بالأونروا، فلسطينية أنا شو نسيتي؟ لا فيني أعمل دكتورة ولا صيدلانية». هي كانت متفوقة. دخلت الجامعة بمنحة كاملة، ولكن لأنها فلسطينية لم يسمح لها بأن تنجز ما كانت تريده في هذا البلد. صديقي، اسمح لي أن أترك سطوري الأخيرة رسالة لها: «عزيزتي ياسمين، أخبريني كيف هي حياتك في لبنان الآن؟ هل يشبه نضوجك في هذا البلد أيام الصبا؟ أيام اللعب والضحك والأحلام الوردية، يوم كنت تحلمين بأن بمقدورك أن تكوني كما تشائين؟ هل أثقلتك أحلامك بممارسة مهنة الطب أم بعد؟ أم أنك لا تزالين تنتظرين قيام المعجزة بورقة تسمح لك بتحقيق أحلامك بحُرية؟ هل ضاقت الجدران من حولك أم بعد؟ أأصبحت تحقدين على واقعك أكثر؟ هل أفقت من حلم لبنان العظيم الذي ما كنت تتنازلين عنه؟ هل أفقت من حلم أن حياتك هنا أفضل، وأن لك هنا كل شيء؟ عزيزتي ياسمين، ليس لك في هذا البلد أي شيء، سوى هوية زرقاء، وظائف محدودة وكرت إعاشة. لا حلم، لا بيت، ولا مهنة كنت تتمنينها.
ماذا لك في فلسطين؟! فلسطين هي كل شيء: هي الوطن، هي الهوية، هي قيمتك كإنسان موجود على سطح الكرة الأرضية! فلسطين هي حريتك في أن تختاري من ستكونين، هي حقك في أن تمارسي حياتك كما أردت، هي تكوين شخصك من دون إثباتات وأوراق تقف في طريقك. أتمنى أن تقرئي رسالتي يوماً، وأن تكوني قد أصبحت جاهزة لتعرفي حقاً ما معنى العودة إلى فلسطين».
إيمان بشير