على الباب الغربي لمخيم برج البراجنة، ترتفع صورة كبيرة للشهيد خليل الوزير (أبو جهاد)، تحت هذه الصورة عبارته الشهيرة «لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة». بالقرب منها، صورة للشهيد ياسر عرفات. تختصر هاتان الصورتان ما يعنيه أبو جهاد لسكان المخيم. فالرجل فارس الانتفاضة الفلسطينية الأولى ومفجّرها، وداعمها، وهو «أمير شهداء» حركة فتح، ونائب القائد العام للثورة الفلسطينية. يمكن من يريد ان يعرف عن ابو جهاد أن يسأل ابناء المخيم عنه، كباراً كانوا أو صغاراً، إذ مجرد قول اسمه، مهما كان عدد المرات التي سيذكر فيها الاسم، ستردد عبارة «رحمه الله» مباشرة بعده، او سترسم ابتسامة صغيرة، أو ستعلق دمعة بين جفني من عايشوه.


روايات كثيرة ينقلها من عايشوا أبو جهاد عنه، ومنهم أبو ماجد عويتي، ابن مخيم برج البراجنة. ففي عام 1967 قصد ابو ماجد مقر القيادة العسكرية في دمشق. هناك كانت المرة الأولى التي التقى الرجل فيها أبو جهاد. يبتسم الرجل الستيني عندما يتذكر ذلك التاريخ، يقول «رأيته واقفاً على باب مكتبه، سألني ماذا أفعل هنا؟ فقلت له إنني أريد ان اكون فدائياً». يضيف «سألني من اي منطقة من فلسطين، فقلت له حيفا». يصمت عويتي ليقول «حينها قال لي إن عائلة عويتي أصلهم من عكا، فابتسمت وقلت له هؤلاء اولاد عمي». لقاء الرجل بأبو جهاد لم يطل كثيراً، إذ طلب منه الاخير العودة الى بيروت وإمهاله اسبوعاً. يقول «أجبته إن المكتب الثاني يلاحقني ولا استطيع العودة». ينتهي اللقاء بين الرجلين، ويقرر عويتي الانتقال الى الأردن، وتحديداً الى معسكر جرش حيث كان المعسكر يشهد الدورة التدريبية الأولى لأبناء فتح. هناك تكرر لقاء عويتي بأبو جهاد. يضحك ابن مخيم البرج ويقول «عندما رآني قال لي ضاحكاً: طلبت منك العودة الى بيروت، إيش جابك لهون». وهذه كانت المرة الأخيرة التي يلتقي بها الرجلان.
كثيرون أيضاً يروون عن علاقة ابو جهاد بالشهيد عماد مغنيّة. ففي أواخر عام 1978، انتسب شاب يبلغ من العمر 16 عاماً الى خلية فتح في الشياح. يتذكر باسم حيدر، الذي كان مسؤولاً عن هذه الخلية خلال عامي 1977-1979، أن الشاب كان يرافقه دائماً شاب اخر هو علي خضر سلامة (أبو حسن)، الذي اغتالته اسرائيل عام 1999 في منطقة عبرا. وصلت شهرة الشاب في تلك الفترة الى القيادة العليا للثورة الفلسطينية، وتحديداً الى ابو جهاد، إذ كان ذلك الشاب ماهراً في تركيب الكمائن بين منطقتي الطيونة وشارع اسعد الأسعد. ولم يكن المنتسب الجديد الا الشهيد عماد مغنية.
ويقول حيدر «كان مغنية الوحيد الذي يستطيع تأمين أسلحة للخلية عندما كنا نعاني شحاً في نوع محدد من الاسلحة التي نحتاج إليها، فكان يتوجه الى منطقة الفاكهاني عائداً بها». ويتابع في إحدى المرات «احتجنا الى صواريخ مضادة للدروع من عيار 3.5 بوصة، فتولى مغنية مهمّات تأمينها». يحلل حيدر انه «لو لم تكن علاقة مغنية جيدة مع ابو جهاد لما استطاع تأمينها، إذ إنها تمر مباشرة من خلال القيادة». وفي عام 1978 ترك مغنية خلية الشياح بعدما «استدعته القيادة في الفاكهاني، ومنذ تلك الفترة بدأ بالعمل السري ضمن مجموعة امنية سرية، ولم نعد نراه».
لا تقتصر محبة ابو جهاد على الفلسطينيين فقط، فأبناء منطقة برج البراجنة، اللبنانيون بالطبع، يعرفون الرجل جيداً، فهم رأوه اكثر من مرة في منطقتهم، وكان يتفقد أحوالهم مثلهم مثل فلسطينيي المخيم القريب منهم. تتذكر نازك الحركة كيف كانت تنتظر مجيئه الى مدرسة الأونروا الواقعة بالقرب من منزلها. تقول السيدة الثمانينية إنه «خلال إحدى زياراته، اشتم ابو جهاد رائحة «طبخي»، كنت حينها اقلي أقراص كبّة، فجاء سلّم وتناول عدداً منها ورحل». رحل أبو جهاد الذي قال الشاعر محمود درويش خلال تأبينه إننا «سنفتقده أكثر هناك، حين نهنئ بعضنا البعض بالنصر، ولن نجده بيننا. هناك، أمام الشجرة التي غرسها، وتحت الراية التي رفعها، هناك سيختلط العيد بالحداد، هناك سنبكي عليه أكثر؟ هناك سنذوق مرارة الحرية؟ هناك سنجهش: أين أبو جهاد».