حين بدأ خليل الوزير رحلته النضالية مطلع خمسينيات القرن الماضي، قائداً عشرينياً لـ«لواء الحق الفلسطيني» في قطاع غزة، الذي هُجِّرت عائلته إليه من الرملة، لم يكن رادار الاستخبارات الإسرائيلية قد رصده بعد. آنذاك، لم تكن المؤسسة الأمنية في إسرائيل ترى في الفلسطينيين شعباً قادراً على تنظيم مقاومةٍ ضدها، وكانت تتعامل مع العمليات التي يشنها «الفدائيون» على أساس أنها من تدبير المصريين.


تطلب الأمر نحو عقد من الزمن لتتعرف تل أبيب أكثر إلى الرجل الذي سيؤدي دوراً رئيسياً، ليس فقط في تأسيس أولى وأكبر حركات التحرير الوطني الفلسطيني، بل في سن مبدأ «الكفاح المسلح» بوصفه الطريق الأوحد إلى تحرير فلسطين.
الأنباء الأولى عن «أبو جهاد» وصلت إلى إسرائيل عام 1964. مصدر المعلومات كان وحدة سرية تسمى «يوليسيس» أنشأها الشاباك في 1950 وكانت مهمتها التجسس على جاليات اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية. عملاء الوحدة أبلغوا بتأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني بزعامة ياسر عرفات وخليل الوزير، مشعلين الضوء الأحمر لدى الأجهزة المعنية في الدولة العبرية. ووفقاً لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، التي أعادت نسج رواية عملية اغتيال أبو جهاد استناداً إلى معطيات جمعتها من مصادر عامة وخاصة، أُنشئت في منتصف عام 1965 لجنة سرية في الاستخبارات الإسرائيلية مؤلفة من ثلاثة أعضاء. المهمة الرئيسية للجنة، التي أطلق عليها لاحقاً «لجنة إيكس»، كانت دراسة سبل مواجهة «الإرهاب الفلسطيني» وأنيطت بها صلاحية الموافقة على عمليات الاغتيال. سريعاً حددت اللجنة هدفين رئيسيين للاغتيال: أبو عمار وأبو جهاد، مؤذنة ببدء المطاردة الرسمية لـ«تقديم الشرح»، وهو الاسم الرمزي الذي أطلقته الاستخبارات الإسرائيلية على ملف الوزير.
المحاولة الأولى كانت في دمشق، حيث جندت الوحدة 504، التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية، عميلاً ليفخخ سيارة عرفات والوزير. إلا أن الخطة فشلت لأسباب تنفيذية.
مع الوقت، بدأ يبرز دور أبو جهاد في تصعيد الكفاح المسلح، وخصوصاً بعد نكسة عام 1967، ما دفع رئيسة الوزراء الإسرائيلية عام 1970، غولدا مئير، إلى إقرار «ورقة حمراء» بحقه، أي أمر مباشر بتصفيته.
جرت محاولات اغتيال جديدة بقيادة الموساد هذه المرة، بينها مخططان لاستهدافه ببيروت ولتفخيخ سيارته، إلا أن العمليتين فشلتا. في الأثناء واصل أبو جهاد التخطيط لعمليات أشهرها عملية فندق سافوي (6/3/1975) التي سيطرت فيها مجموعة مقاومين وصلت عبر البحر إلى الفندق على ساحل تل أبيب وانتهت بمقتل 4 إسرائيليين و7 أجانب، إضافة إلى «عملية الثلاجة» في 4/7 من العام نفسه، حيث انفجرت 3 عبوات في ميدان «صهيون» في القدس أدت إلى مقتل 15 إسرائيلياً.
في أعقاب ذلك، تكثفت الجهود الاستخبارية الإسرائيلية لتصفية الحساب مع أبو جهاد وإغلاق ملف «تقديم الشرح»، فكانت محاولة جديدة نهاية عام 1975 من خلال غارة جوية نفذتها مقاتلاتٌ إسرائيلية على أحد المباني في بيروت بناءً على معلوماتٍ أفادت بأنه يضم اجتماعاً لقادة حركة فتح، بمن فيهم أبو عمار وفاروق القدومي ومحمود عباس، فضلاً عن أبو جهاد. كسابقاتها، انتهت عملية «بن حور» بالفشل أيضاً نتيجة إخطاء الهدف، مشرعةً الطريق أمام استمرار توجيه الضربات المؤلمة لإسرائيل التي أشرف عليها أبو جهاد من موقعه كنائب القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية. المحطة التالية الأبرز على درب هذه الضربات كانت عملية «كمال عدوان» في 11 آذار 1978. العملية، التي نفذتها مجموعة «دير ياسين» بقيادة الشهيدة دلال المغربي، أدت إلى مقتل 35 إسرائيلياً وجرح العشرات، مُخلّفةً صدمة كبيرة في إسرائيل زاد في وقعها تصريحٌ لأبو جهاد رأى فيه أن العملية تمثّل «دليلاً على قدرة الثورة على الوصول والعمل في كل مكان تريده».
بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان وإخراج قيادة منظمة التحرير منه إلى تونس، عمل أبو جهاد على ترميم الانتكاسة التي أصابت الكفاح المسلح متنقلاً بين الدول العربية ومعرضاً نفسه _ بحسب الرواية الإسرائيلية _ لثلاث محاولات اغتيال لم تُنفذ بسبب عدم التعرف إلى الهدف بنحو مؤكد.
في هذه الأثناء، كان أبو جهاد يخطط لعملية «غير مسبوقة» تعيد لمنظمة التحرير مكانتها، وتفرض على الإسرائيليين معادلات جديدة في الصراع. وكانت العملية تقضي بإنزال عشرين مقاوماً عبر زوارق مطاطية على شواطئ يافا واختطاف أحد الباصات والوصول به إلى مبنى وزارة الدفاع في تل أبيب وفتح اشتباك هناك عند إحدى البوابات المسماة «بوابة فكتور». إلا أن العملية أُحبطت عندما فاجأت البحرية الإسرائيلية سفينة «إيتبريوس» التي تقل المقاومين في 20 نسيان 1985 وأغرقتها بمن فيها.
بالرغم من الفشل، واصل أبو جهاد التخطيط لتنفيذ عملية مدوية واختار ديمونا ليكون الهدف هذه المرة. وفي السابع من آذار 1988 تمكنت مجموعة فلسطينية من السيطرة على حافلة تقل عاملين في المفاعل النووي، وفي خلال الاشتباك مع قوة إسرائيلية اعترضت طريقها، قُتل ثلاثة من العاملين ومعهم أفراد المجموعة الثلاثة. في تلك الفترة، كانت الاستخبارات الإسرائيلية قد كثفت مواردها في تعقب أبو جهاد الذي أصبح في حينه المطلوب الرقم واحد بالنسبة إليها. واتخذ وزير الدفاع إسحاق رابين قراراً باغتياله بصورة مركزة، أي ليس بواسطة نيران موجهة عن بعد (كغارة جوية)، وذلك بهدف حفر أثر ردعي في الوعي الفلسطيني، عنوانه قدرة إسرائيل على الوصول إلى أعدائها في بيوتهم.
على أساس ذلك، عملت الاستخبارات الإسرائيلية على رصد منزل أبو جهاد في أحد أحياء العاصمة التونسية على مسافة 4 كيلومترات من الشاطئ. وفي الموازاة بدأ التخطيط لعملية الاغتيال، حيث استقر الرأي على أن تقوم وحدة من «سييرت متكال» التابعة لهيئة الأركان العامة بالانتقال بحراً إلى شواطئ تونس وتكرار السيناريو الذي اعتُمد في عملية اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة في عملية فردان قبل ذلك بخمسة عشر عاماً.
في الثالث عشر من نيسان 1988، كانت مطاردة «تقديم الشرح» التي انطلقت قبل نحو نصف يوبيل قد شارفت على نهايتها. وصل عملاء تابعون للموساد يحملون جوازات سفر لبنانية إلى تونس وانقسموا إلى مجموعتين: الأولى استأجرت سيارات لنقل أفراد وحدة الاغتيال من الشاطئ إلى منزل أبو جهاد حيث كانت المجموعة الثانية تراقبه عن كثب لتتثبت من وجوده فيه.
في خلال ذلك، كانت القطع البحرية الإسرائيلية التي تقل وحدة الاغتيال تنتظر في عرض البحر. وعند المساء هبطت الوحدة المؤلفة من 26 مقاتلاً على الشاطئ وانتقلت بالسيارات التي كانت في انتظارها إلى المنزل الهدف. سريعاً اقتحمت فرقة الاغتيال المنزل وأجهزوا على أبو جهاد بعد 23 عاماً من المطاردة. في اليوم التالي، سُئل رئيس الحكومة الإسرائيلية، إسحاق شامير، عن مشاركة إسرائيل في عملية الاغتيال فأجاب بوجه مكفهر: «سمعت عن هذا في الراديو».




برّ وبحر

ناصر قبلاوي، الذي كان من مرافقي أبو إياد، قال إن تفاصيل الجريمة «غير محسومة (...) حتى وإن كان هناك عناصر من الموساد وصلوا عبر البحر، إلا أن جزءاً منهم كانوا موجودين على البر»، حيث حصلوا على تسهيلات محلية. افتراض قد لا يكون مستبعداً، ولا سيما بعدما تداولت صحف تونسية، إضافة إلى موقع «قضايا مركزية» الإسرائيلي، أن نائب وزير الداخلية التونسي في الثمانينيات أحمد بنور عمل لحساب «الموساد»، وكان له دور في اغتيال عدد من القادة الفلسطينيين، بينهم عاطف بسيسو (الصورة) في باريس.