نيويورك | نجح مجلس الأمن، السبت، إثر مفاوضات صعبة مع روسيا في إصدار أول قرار له يتعلق بالوضع في سوريا، قضى بإرسال مراقبين دوليين، وصلت طليعتهم أول من أمس، الأحد. وبعد مفاوضات صعبة، أصدر مجلس الأمن بالإجماع القرار 2042 الذي أعطى الضوء الأخضر لنشر مراقبين في سوريا يشرفون على وقف إطلاق النار. وأعلن كيران دواير، المتحدث باسم دائرة عمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة، أن «خمسة أو ستة مراقبين عسكريين استقلّوا الطائرة» فور تبني القرار، على أن يليهم 25 مراقباً «في الأيام المقبلة».


لم يخرج القرار 2042 إلى حيز الوجود إلا بعدما انتزعت منه «الأظافر» التي يمكن استخدامها لفرض وصاية دولية على سوريا. تنازل الغرب عن فكرة المراقبين أصحاب الصلاحيات المطلقة الخارقة، وباتوا يستمدون صلاحياتهم من تسهيل الحكومة السورية لعملهم. وهذا يقتضي إقرار بروتوكول ناظم يتم بالتفاوض بين المبعوث الدولي كوفي أنان والحكومة السورية.
والأهم من كل هذا أن القرار تضمن إقراراً دولياً «بَصَمت» عليه الولايات المتحدة، بأن هناك تنظيمات مسلحة، وأن العنف لا يأتي من مصدر حكومي وحسب. وطالب القرار طرفي النزاع، الحكومة والمعارضة، بضمان أمن المراقبين، بعد سحب السلاح الثقيل من الأماكن المأهولة بالسكان. كما طلب من كل الأطراف، بما في ذلك المعارضة، «الوقف الفوري لكل عنف مسلح بكل أشكاله». وكلف فريقاً من 30 مراقباً للتواصل «مع الأطراف جميعها» من أجل تطبيق خطة أنان ونقل تقارير للأمين العام عن سير التطبيق.
وعدّلت الفقرة الخامسة سابقاً والسادسة في النص الجديد، بحيث أصبحت تقول عن حركة المراقبين، «يدعو الحكومة السورية لتسهيل العمل الفعال للبعثة، بما في ذلك فريق المراقبين الطليعي من خلال تسهيل الانتشار السريع ودون عرقلة لأفرادها ومعداتها كما يحتاج الأمر، لتنفيذ مهمتها وضمان حرية الحركة الفورية والوصول دون عرقلة حسب الحاجة بمقتضى مهمتها، وإتاحة اتصالاتها دون اعتراض، والسماح لها بالتواصل الحر الشخصي مع أفراد على امتداد سوريا بدون الاقتصاص من أي شخص يتعاطى مع البعثة».
تراجعت الولايات المتحدة كثيراً في النصّ وبدت عاجزة أمام الدول المعارضة (روسيا والصين والهند وجنوب أفريقيا والباكستان)، في الوقت الذي يمكن أن يؤثر فيه تراجعها على حظوظ أوباما الانتخابية جراء الغضب الصهيوني. وتراجع الأمين العام عن مواقف سابقة ليعلن في لقاء مع كوفي أنان أن على أصدقاء سوريا «ممارسة نفوذهم بتشجيع المعارضة على اتخاذ إجراءات مماثلة في وقف العنف».
وكان لافتاً شكوى مندوب روسيا، فيتالي تشوركين، من الجنرال النرويجي روبرت مود، الذي تصرف خارج الأطر النظامية، وغادر دمشق إلى جنيف ثم أوسلو في ظروف غامضة، عندما كان الوفد السوري يزور موسكو. وبعد سؤال أعضاء مجلس الأمن الدولي لمساعد أنان، جان ماري غيهينو، عن مكان الجنرال مود، قال إنه تبلغ منه أنه ذاهب إلى بلاده. لكن تبين لاحقاً أنه قرر عدم العودة إلى دمشق لمواصلة عمله. وهذا من شأنه تأخير عمل بعثة المراقبين الطليعيين ريثما يتم إيجاد قائد بديل.
وفي مقابل مواقف تشوركين، كادت مواقف سوزان رايس، المندوبة الأميركية، تقتصر على الملاحظات العصبية المتوترة. مواقف من نوع «الشعور بالاشمئزاز» عن استخدام الفيتو المزدوج. والتحذير بعد صدور القرار 2042 يوم السبت بقولها، «إذا عرقلت الحكومة السورية عملهم (المراقبون)، فإن ذلك سيثير هواجس جدّية حيال المضيّ قدماً في عملية تأسيس البعثة الكاملة»، أي بعثة قوامها 250 ــ 300 مراقب.
غاب العرب عن الصورة، لولا حديث فاتر لمندوب المغرب، محمد لوليشكي، تمنى فيه السلام لـ«سوريا الشقيقة». وكان حديث مندوب تركيا أوتغرول باباكان بعد الجلسة أكثر ضعفاً. اكتفى بالقول إن بلاده ستتابع الوضع عن كثب على الأرض.
مندوب سوريا، بشار الجعفري، توجه بعد التصويت مخاطباً مندوب فرنسا، جيرار آرو، بالفرنسية، متسائلاً عن مغزى عقد الاجتماع الأوروبي في عيد الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي لفرض عقوبات إضافية على الشعب السوري. وسأل الوفود، هل التلاعب بأسعار الصرف ومقاطعة وزير الكهرباء السوري وضرب محطات الطاقة في بلاده تمثل مساعدة للشعب السوري؟
في المحصلة، يكشف القرار وتعديلاته أنه لم تعد الساحة الدبلوماسية في نيويورك تشبه ما كانت عليه عام 2007. حتى مقر مجلس الأمن الدولي المؤقت ومباني المنظمة الدولية العجوز تبدلت كثيراً بفعل عمليات تجميل مستمرة. فبعد حرب لبنان عام 2006، نجحت الدبلوماسية الإسرائيلية الغربية في وضع أكثر من 12 ألف جندي في جنوب لبنان. وساهم الضعف السياسي الروسي من جهة، ومرحلة صعود المركنتيلية الصينية من جهة أخرى في إطلاق اليد الأميركية _ الأوروبية في الأمم المتحدة إلى أقصى ما يمكن. واستمر التفرد الغربي في الأمم المتحدة حتى وقع الهجوم الجورجي على أوسيتيا الجنوبية في آب 2008 وتفجرت الأزمة المالية العالمية قبله بأشهر. انسحبت معظم القوات الأميركية من العراق، وتستعد للانسحاب من أفغانستان. تغيرت أوضاع بعدها، ومعها تغيرت معادلات. حدث هذا قبل تفجر «الثورات العربية»، التي ولدت من رحم الأزمة المالية الغربية وتداعياتها. لكن الروس الذين يستعدون لمناورات على حدود جورجيا في أيلول المقبل، يدركون أن اللعب الغربي عند حدودهم الجنوبية والغربية بات مؤذياً جداً، ولم يعد يجوز التهاون معه.