قالت الخارجية الأميركية، قبل ايام، إنه لا حرب باردة في آسيا. وهذا الكلام يعاكس ما قالته وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في خطابها الشهير في أوستراليا، قبل اشهر، عن ان أميركا ستندفع نحو آسيا، لأنه هناك توجد مصالحها الاستراتيجية. وعُدّ هذا الخطاب، انذاك، بمثابة إعلان حرب باردة أميركية على الصين.


هل ادركت اميركا، بعد أشهر فقط، ان الفِناء الصيني ليس لقمة سائغة؟ تصريح الخارجية الاميركية يشي بشيء من هذا المعنى. على ان اكتمال الصورة بالنسبة إلى حدث دولي بهذا الحجم يحتاج إلى وقت، لكن هل يمكن، في مجال آخر، اعتبار كلام الخارجية الاميركية بمثابة غزل اميركي للصين؟ وما هو تأثير ذلك في موقف بكين من الأزمة السورية، بمعنى هل يؤدي الى تبديل تموضعها الراهن من الاصطفاف مع موسكو، بمواجهة الغرب، الى اصطفاف في مكان مغاير، ربما متفرج بأقل تقدير؟
المبعوث الاممي والعربي الى سوريا، كوفي انان، ذهب يومي22 و23 الشهر الماضي الى الصين لاستكشاف بواطن موقفها من الازمة السورية، ومدى صلابته في التآخي مع الموقف الروسي، ولا سيما أنه ساد خلال الاشهر الاخيرة، تقدير في باريس وتركيا وقطر والسعودية، يقول إن الصين اقل حدة في التزامها بالدفاع عن نظام الاسد من روسيا، وانه يمكن تبديل موقفها او تحييده من خلال بذل جهد مكثف باتجاهها. وقبل نحو خمسة اسابيع تقريباً كانت الخارجية الفرنسية قد أجرت اتصالات مع بكين عبر سفارتها في باريس، وفي اخر محادثة حول الازمة السورية بين الطرفين، قال ممثل بكين لمحادثه الفرنسي: «إن الفرق بين موقفي بلدينا، هو فرق ثقافي. فأنتم تؤمنون بالجراحة القطعية، والصين تؤمن بعلاجات الوخز بالإبر». وتم في هذه المحادثات نقل رسالة من دول الخليج العربي الى الصين، تفيد بأن دول مجلس التعاون الخليجي، تعتبر ان الموضوع السوري هو الاساس في تقديرها لعلاقاتها مع الصين. وكانت هذه اشارة ضغط على الصين لاعلامها بأن حفاظها على مصالحها مع الخليج العربي، لا يمكن ان يحدث خارج تبديل موقفها من الأزمة السورية.
دمشق، من جهتها، وصلت اليها وقائع اخرى من محاولات الضغط الخليجية على الصين للانحياز الى جانبها ضد النظام السوري. ويقول مصدر مطلع في النظام السوري إن شخصية سعودية عالية المستوى اتصلت ببكين واخبرتها بأن سلاسة التبادل النفطي معها ستكون معرضة للضرر إذا استمر موقف بكين على حاله من سوريا. ورد المسؤول الصيني بالقول: «ان بكين ضد ان تتحكم جهة واحدة في تصدير النفط في اي منطقة والى اي منطقة». وكانت هذه الاجابة غير متوقعة من الجانب السعودي، وهي أظهرت ان الصين لا تقبل ان يمارس ضدها ضغط نفطي، واذا حدث هذا، فإنها ستعمل من اجل خلق معادلات عالمية ضد احتكار دول لعملية توزيع النفط العالمي. ويبدو ان الإجابة الصينية الآنفة، وضعت تحت مجهر العناية الفائقة لتشريح معناها الاستراتيجي، من قبل دول الخليج العربي، ما قاد هذه الأخيرة الى سحب التهديد بالنفط بسرعة من السجال السياسي مع الصين.
قبل وصول انان الى بكين كان قد زار موسكو، وضرب موعداً لزيارة ايران، وهي الدول الثلاث التي أثبتت مواقفها في الصراع على سوريا مدى الترابط بين الازمة السورية وبداية مسار إنضاج عالم جديد، متفلت من ضوابط عصر أحادية القطب الأميركي.
في موسكو، يقول دبلوماسي التقى شخصية رافقت انان الى هناك، ان الاخير سمع في رسائل الرئيس فلاديمير بوتين له، على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف، صدى كلام الكرملين ايام الاتحاد السوفياتي. وفي الواقع فان انان عقد في موسكو محادثات استماع إلى مطالب روسيا، باكثر مما يمكن وصفها بنقاش لوجهات نظر الطرفين.
قال لافروف لانان: «نحن قدمنا ما علينا، جعلنا النظام السوري يقبل خطة النقاط الست. وشرط بقاء دعمنا لمساعيكم وبالتالي نجاحكم، مرهون بعدم تغليف مسعاك بشعار تنحي الأسد». هز انان برأسه موافقاً، أو صاغراً، والكلام للمصدر عينه ايضاً.
ترك انان روسيا، وحزم حقائبه الى الصين، وكان من المفترض ان يقابل هناك وزير خارجيتها، بحسب تحديدات البروتوكول الدبلوماسي التي تناسب منصبه كمبعوث اممي وعربي، لكن منذ اللحظة الاولى لزيارته فوجئ بأن الصين استقبلته برسالة سياسية قوية، تمثلت بأن محادثه في الجلسة الرسمية لم يكن وزير الخارجية، الذي اعتذر عن عدم الحضور لاضطراره إلى مرافقة الرئيس الصيني، هو جينتاو، في جولة اسيوية تشمل كوريا والهند وكومبوديا، وبدلا منه جلس في مواجهة انان، رئيس مجلس الدولة ون جياباو.
غياب وزير الخارجية الصيني ترك رسالة سياسية قوية لانان تفيد بأن الملف السوري يعالَج في الصين على ارفع مستويات اتخاذ القرار، وتحديداً على مستوى الرجل الثاني في الدولة والحزب، لا على مستوى وزارة الخارجية. وتقول الرسالة ايضاً، إن الصراع في سوريا ليس مجرد بؤرة توتر اخرى في العالم، بل إنه صراع يتعلق بالامن القومي الصيني.
والتفسير الآنف لمعنى هذه الرسالة الصينية، نقلته شخصية سياسية صينية، شاركت في لقاءات انان، لدبلوماسي عربي استمع منه ايضاً إلى وقائع اخرى عما قاله الصينيون بلسان الرجل الثاني في بكين، للمبعوث الاممي ـــــ العربي. ويقول: «عُرض الموقف الصيني على انان بخصوص الازمة السورية من خلال التدرج في استقراء الأحداث الدولية ومن ثم العربية الجارية في هذه المرحلة، تحت عنوان الربيع العربي، وموقع سوريا فيها، توصلاً الى تقديم رؤية الصين لحلول لا تقدم، فقط، من وجهة نظرها، مخرجاً لاستعصاء الاصلاح السياسي في الشرق الاوسط، بل صيغة ايضاً لمبدأ تعزيز الاستقرار الهش اصلاً فيه، وأيضاً، وهذا بيت القصيد، لقضية اصلاح العلاقات الدولية المتداعية».
وينقل المصدر الدبلوماسي عن الشخصية الصينية ان انان سمع من الصينيين، استغراب بكين لاستسهال البعض فكرة إطاحة النظام السوري. وسمع انان من محادثيه الصينيين مطالعة عن كيفية تفكيرهم في الازمة السورية، وعرضوا ذلك على شكل مدخل عام استراتيجي، يتفرع عنه عنوانان اثنان مترابطان.
في المدخل الاستراتيجي، ركز الصينيون على عنصر محوري وثاتب في سياستهم، وهو الحرص على تعزيز وتوثيق علاقتهم الاستراتيجية بالولايات المتحدة الاميركية، لكنهم حذروا من ان انفلات الوضع في الشرق الاوسط، قد يخلق واقعاً، تضطر معه بكين إلى تعديل استراتيجيتها المعلنة هذه، والانزلاق من حيث لا ترغب إلى التصادم في المواقف مع واشنطن.
وكتتمة للمدخل الآنف، ابلغ الصينيون انان «أن سوريا بلد مفتاح في الاستقرار وعدمه في الشرق الاوسط»، وبناءً عليه، «فإن أي معالجة للازمة السورية يجب ان تأخذ هذا الاعتبار في الحسبان (...)، فمن وجهة نظرهم «ان موقع سوريا الاستراتيجي والمتمركز في قلب العالم العربي، اعطى هذا البلد اهمية كبيرة في المنطقة، لدرجة اصبح معها الوضع السياسي السوري يقرر الوضع السياسي في كل الشرق الاوسط، ويعدّ بمثابة مفتاح نحو الاستقرار او الاضطراب فيه، وبناءً عليه فإن إطاحة النظام السوري الحالي قد تؤدي الى فوضى، وهو ما لا ترغب فيه الصين (... ) وخاصة أنها تلاحظ أن التغييرات التي حصلت في منطقة الشرق الأوسط منذ عام 2011، زادت من احتمالات خطر اندلاع حروب جديدة بين القوى الإقليمية فيها».
العنوان الأول الذي سمعه أنان في الصين تمثّل في تقويمها لمجمل طفرة الثورات العربية. وفي هذا السياق تعترف الصين بأن «اصل التغييرات الجديدة في الشرق الاوسط هو السعي إلى تحقيق الديموقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية»، لكن الصين تسجل ملاحظات تقف وراء انحراف الربيع العربي عن مساره، يأتي على رأسها «التدخل الدولي السياسي المكثف والتدخل العسكري الغربي، الذي حوّل التغييرات في الشرق الاوسط الى فوضى، وحوّلها من حالة «الربيع العربي» الى حالة «خريف عربي». وهنا تقدم الصين جردة حساب للخسائر التي لحقت بالمنطقة جراء الربيع العربي، فتحصي انه خلال عام 2011، بلغت الخسائر الاقتصادية 55 مليار دولار في عام واحد، وكانت ليبيا وسوريا الدولتين الاكثر تضرراً بين كل دول المنطقة الاخرى، كما أن سقوط رجال السياسة الأقوياء في البلدان العربية ادى الى حدوث فراغ كبير في المنطقة، وأيقظ بدرجات متفاوتة الوعي القبلي او الطائفي فيها، ما مثّل فرصة لنمو المتطرفين الدينيين، وشيوع حالات الصراعات القبلية، كما أدى الى كسر التوزان الهش للغاية في المنطقة، وزيادة خطر نشوب حرب جديدة على نحو متزايد بين القوى الإقليمية فيها».
العنوان الثاني الذي قدمه الصينيون لأنان تمثّل في رؤيتهم للطريقة المثلى التي يجب اتباعها لمقاربة موضوع تحقيق الإصلاح السياسي في المنطقة. أبلغ الصينيون أنان أن بكين «لا تؤمن بانه بمجرد إطاحة النظام السياسي الحالي، يصبح كل شيء على ما يرام، وان بكين اكثر رغبة في حل المشاكل القائمة، لكن من خلال تغيير النظام السياسي تدريجيا من الأعلى الى الأسفل، كما أن موقع سوريا المهم في المنطقة والمفتاح في استقرارها او عدمه، يحتم تحاشي ايجاد واقع تقود فيه المعالجة السيئة لازمتها، الى فوضى في المنطقة، لذلك فإن خلق نمط جديد من التحول السياسي لحل الازمة السورية بات امراً حتمياً، وهذا يجري من خلال الحفاظ على من في السلطة، وتحقيق التغيير السياسي من الاعلى الى الأسفل. وهذا المسار من التحول السياسي التدريجي تطلق عليه بكين مصطلح «عملية الهبوط الناعم» الذي سيكون له اهمية ايجابية، سواء على الوضع الداخلي في سوريا او على استقرار الشرق الاوسط، وايضاً في السياسة العالمية.
وهنا تلاحظ الصين أن «الموقف البارد للغرب تجاه القضية السورية في هذه المرحلة سوف يوفر للوساطة الدبلوماسية لانان، التي تؤيدها بكين بقوة، الوقت والفضاء الواسع»، مع الاشارة الى ان الصين ترى أن ارضية «الهبوط الناعم» للوضع السياسي السوري لم تعبّد حتى الان، ولا تزال وعرة. وهناك مقاومة كبيرة لهذا الخيار، تجعل بكين لا تستبعد افشال مسعى النقاط الست، «لكن يبقى مأمولاً أن تسهم القوى المحبة للسلام في تصحيح الواقع».
وتلخص الشخصية الصينية، وجهة نظر بكين من الازمة السورية، كما تقاربها في كواليس رسم استراتيجياتها، على النحو الآتي: «الاستقرار في الشرق الاوسط امر حيوي للأمن القومي الصيني، وللاقتصاد الصيني، الذي يعتمد بنسبة كبيرة على نفط الشرق الاوسط. وأن مدخل الحفاظ على الاستقرار في المنطقة في هذه المرحلة هو الحفاظ على الاستقرار في سوريا، سواء في النظام الحالي أو من دونه، لكن الصين تحبذ حالياً بقاء النظام، وتحبذ رؤية روسيا تتقدم في حضورها على حدود الصراع العربي الاسرائيلي، وعلى مقربة من آبار النفط، لأن هذا يتيح إمكان توسيع تفاهمها مع روسيا لاحقاً لرسم ضمانات لمصالحها في منطقة اكثر استقراراً في المستقبل، كما أن الصين ومن ضمن نظرتها للحفاظ على الاستقرار الهش اصلاً في الشرق الأوسط، ترغب في ان يبلور المخاض السوري نظاماً دولياً متعدد الأقطاب يلاقي اعترافاً به من القوى العظمى الأخرى، وفي مقدمها الولايات المتحدة الاميركية.




سفن حربية روسية قرب السواحل السورية

اتخذت روسيا قراراً بنشر سفن حربية روسية قرب السواحل السورية على أساس دائم. وقال مصدر في وزارة الدفاع الروسية أمس إن سفناً حربية روسية ستقوم بدوريات مستمرة قبالة الساحل السوري في البحر المتوسط. وترابط حالياً المدمرة الروسية «سميلتيفي» التابعة لأسطول البحر الأسود قرب الساحل السوري.
وقال المصدر لوكالة الأنباء الروسية (نوفوستي) «ستُستبدل سفينة سميلتيفي بسفينة أخرى تابعة لأسطول البحر الأسود في أيار»، مشيراً إلى أن سفناً حربية روسية أخرى في طريقها إلى المتوسط.
الى ذلك، جددت الصين أمس تعهدها العمل مع كافة الأطراف للحفاظ على وقف إطلاق النار في سوريا. ونقلت وكالة أنباء الصين الجديدة «شينخوا» عن المتحدث باسم وزارة الخارجية ليو وايمين قوله إن «الصين تدعم أي جهود تسهم في وقف العنف وتعزيز الحوار السياسي في سوريا».
(يو بي آي)