القاهرة | لمن الحكم اليوم؟ للإخوان المسلمين المعتمدين على أغلبيتهم البرلمانية التي تخوّلهم كتابة دستور مصر الخامس وتحديد نظام الحكم في مصر، سواء كان برلمانياً أو رئاسياً، أم للمجلس العسكري المتهم بالدفع بعمر سليمان للرئاسة ليضمن بقاء البلاد في قبضته؟

أسئلة أثارها قرار محكمة القضاء الإداري، أمس، ببطلان تأليف 50 في المئة من أعضاء الجمعية التأسيسية للدستور من داخل البرلمان.

وأكدت ضرورة إعادة تأليف الجمعية التأسيسية من جديد، ليجري اختيار جميع أعضائها المئة من خارج البرلمان. وهو الأمر الذي يصبّ في مصلحة المجلس العسكري بالأساس، لكونه يحدّ من سيطرة الإسلاميين، وخصوصاًَ الإخوان المسلمين، على الدستور المقبل، وما ينص عليه من نظام الحكم سواء برلماني يعظّم من قدر الغالبية البرلمانية أو رئاسي يعظّم من سلطات رئيس الجمهورية. حكم القضاء الإداري جعل المعركة الإخوانية العسكرية متكافئة وحصرها في سباق الرئاسة ما بين خيرت الشاطر، رغم ما ينتظره من أحكام قضائية قد تفقده حقه في الترشح للرئاسة، وبين نائب الرئيس المخلوع عمر سليمان رجل الاستخبارات السابق.
جماعة الإخوان المسلمين أكدت على لسان محاميها عبد المنعم عبد المقصود أن الحكم غير قانوني ويعدّ سابقة خطيرة تفتح الباب أمام تغوّل بقية السلطات على السلطة التشريعية، مشيرةً إلى أنها بصدد الطعن فيه أمام المحكمة الإدارية العليا التي تصدر أحكاماً نهائية لا طعن فيها. وفي حين أعلن رئيس مجلس الشعب، رئيس التأليف الحالي للجمعية التأسيسية للدستور، محمد سعد الكتاتني، تأجيل اجتماع الجمعية التأسيسية المقرر اليوم إلى حين الاطلاع على الحكم إعمالاً لمبدأ احترام أحكام القضاء، فإن الأمر بالنسبة إلى نواب حزب الحرية والعدالة في البرلمان لم يخرج عن كونه مؤامرة من المجلس العسكري لتعطيل كتابة الدستور حتى يأتي رئيس جديد لمصر ويحلّ البرلمانين ويجرّد الإخوان من جميع المكاسب السياسية التي حققتها لهم ثورة 25 يناير، ويعود بالإخوان إلى المربع الصفر. فحسب وكيل اللجنة التشريعية والدستورية في البرلمان، صبحي صالح، فإن القضاء الإداري غير مختص بالفصل في القضية. وهو ما ردّت عليه المحكمة بالتأكيد أن حق التقاضي مكفول للجميع، وأن تأليف الجمعية التأسيسية يجري عن طريق هيئة ناخبين، وهم الأعضاء غير المعينين من مجلسي الشعب والشورى، وبالتالي يكون القرار الصادر منهم قراراً إدارياً يجوز الطعن فيه أمام محاكم القضاء الإداري، وليس قراراً تشريعياً، لأنه لم يصدر من أعضاء مجلسي الشعب والشورى بصفتهم التشريعية، بل بصفة مغايرة تقع تحت مظلة القرارات الإدارية.
واللافت أن الإخوان لم يستسلموا لتفوّق العسكر عليهم في جولة واحدة. ومارس نواب الإخوان ضغطاً كبيراً لمناقشة وإقرار مشروع القانون الذي سبق أن تقدم به نائب رئيس حزب الوسط، عصام سلطان، لإبعاد رموز نظام مبارك، وخصوصاً عمر سليمان وأحمد شفيق من الترشح للرئاسة. وهو المشروع الذي حظي بموافقة لجنة الاقتراحات والشكاوى التي يترأسها أحد قيادات الإخوان البرلمانية، ووافقت عليه أيضاً لجنة الشؤون الدستورية في نفس يوم صدور حكم التأسيسية. ومن شأن صدور القانون أن يسمح للإخوان بتسديد ضربة ساحقة للمجلس العسكري الذي أكد مراقبون أن جميع خططه في الخروج الآمن من السلطة مرتبطة بوصول عمر سليمان إلى قصر العروبة وخلافة مبارك.
ورغم تفوّق الإخوان في معركة الرئاسة، ستظل معركة الدستور بالنسبة إليهم على قائمة أولوياتهم، وخصوصاً أنهم يريدون من الدستور الجديد للبلاد أن يؤمن أغلبيتهم البرلمانية.
أستاذ القانون الدستوري في جامعة القاهرة، جابر جاد نصار، أكد لـ«الأخبار» «أن تأليف الجمعية التأسيسية الحالي باطل وأن حكم القضاء الإداري يؤكد ضرورة إعادة تأليف الجمعية التأسيسية من جديد من خارج البرلمان بموجب معايير منضبطة وواضحة تقوم على فكرة التمثيل الوطني وليس الحزبي»، مشدداً على أن من غير المقبول دستورياً أن يسيطر الإخوان من منطلق غالبيتهم البرلمانية على كتابة الدستور الذي يجب أن تطبّق مواده على جميع المصريين بمختلف انتماءاتهم الاجتماعية والسياسية. كذلك لفت إلى أن الدستور وثيقة توافقية لا تعرف التحزب والمصالح الفئوية، في الوقت الذي رأى فيه المحامي عصام الإسلامبولي أن حكم القضاء الإداري يرمي الكرة في ملعب المجلس العسكري صاحب السلطة في دعوة مجلسي الشعب والشورى للانعقاد وإعادة انتخاب أعضاء التأسيسية من خارج البرلمان، بما يسمح بتمثيل كافة فئات المجتمع وطوائفه.
إلى ذلك، رأى المنسحبون من الجمعية التأسيسية أن حكم بطلان تأليفها بمثابة الداعم الأكبر لموقفهم. فعلّق النائب وحيد عبد المجيد على الحكم قائلاً إنه يؤكد وجود مشكلة في التشكيلة الحالية للجمعية التأسيسية لصياغة الدستور الجديد للبلاد. وأوضح أن القضاء يحدد أن هناك مشكلة، ولكنه لا يحل تلك المشكلة، مشيراً إلى أن الحل لا بد أن يكون سياسياً.
من جهته، حذر المرشح الرئاسي سليم العوا من تداعيات الحكم وتأخر إعداد دستور البلاد بما يعرض البلاد لخطر تأخير المسيرة الديموقراطية التي لا تستكمل إلا بدستور جديد يواكب صدوره انتخابات رئيس الجمهورية. وطالب العوا، في بيان أصدره أمس، مجلس الشعب بإعادة تأليف اللجنة التأسيسية لوضع الدستور فوراً ودون إبطاء، بحيث لا يزيد التمثيل البرلماني في التأليف الجديد عن ٢٠ عضواً، على أن يضم هذا التأليف تمثيلاً شاملاً وكيفياً للشعب المصري بمختلف أطيافه وتياراته الفكرية والسياسية.