الجزائر | باريس | كشف مصدر مقرب من أعيان عاصمة الأزواد، تمبكتو، لـ«الأخبار»، مساء أول أمس، عن أن القبائل العربية في المنطقة قامت بتأسيس تنظيم جديد أطلق عليه اسم «جبهة التحرير الوطنية الأزوادية» قوامها 500 مسلح للقتال إلى جانب «الحركة الوطنية لتحرير الأزواد»، التي أسسها نشطاء الطوارق ذوي الأصول البربرية في حال تعرض المنطقة إلى تدخل أجنبي.


وفي رد على سؤال حول الوضع في تمبكتو، أكد المصدر أن قوات حركة «أنصار الدين» المنادية بتطبيق الشريعة انسحبت من المدينة كلياً، إثر الرفض الذي قوبلت به من السكان. وتابع قائلاً: «لقد تم ذلك بالتراضي، بعد اجتماع أعيان المدينة بزعيم «أنصار الدين» إياد آغ غالي».
ويُعتقد أن تراجع مقاتلي «أنصار الدين» جاء إثر فتوى أصدرها أحد أبرز مرجعيات هذه الحركة الإسلامية المنتشرة في كل أفريقيا الغربية، وهو الداعية الشهير، الشريف عثمان مدني الحيدرة. وشجب الحيدرة في فتواه «الأطروحات الجهادية التي سعى إياد آغ غالي من خلالها إلى اجتذاب بعض الشباب المنتمين لـ«أنصار الدين»، في حين أن الفكر الجهادي الوهابي غريب عن الحركة، ومرفوض من عموم المسلمين في البلاد الأفريقية.
واستُقبلت هذه الفتوى بكثير من الارتياح من بقية الفصائل الأزوادية، لأن «الرؤيات الجهادية التي عبّر عنها آغ غالي وأنصاره استعملتها الدعاية المعادية لوصم الحركات الأزوادية بالإرهاب، سواء من قبل حكومة باماكو أو بعض القوى الإقليمية الأخرى المعارضة لاستقلال دولة الأزواد».
لكن تراجع «أنصار الدين» وانسحابها من تمبكتو، لا ينطبق على بقية الحركات الجهادية. فقد شهدت «غاو»، ثالثة أهم مدن الأزواد، وأقربها إلى «الحدود الجنوبية» مع باقي المناطق المالية، تدفق حشود كبيرة من الجهاديين، تحسباً لنشوب مواجهات جديدة مع الجيش المالي أو مع قوات التدخل التابعة لمنظومة دول غرب أفريقيا. وكانت منظمة «التوحيد والجهاد»، التي انشقت العام الماضي عن «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، أول من دخل المدينة في الأسبوع الماضي، حيث قامت بخطف سبعة دبلوماسيين في قنصيلة الجزائر.
ويدور الحديث عن وصول إمدادات تضم نحو 100 مقاتل من تنظيم «بوكو حرام» النيجيري، رُصدت أول من أمس في المحيط القريب من «غاو».
ويعتقد الخبراء أن إنشاء «جبهة التحرير الأزوادية» في تمبكتو، وتدفق الجهاديين على الموقع الاستراتيجية في «الأزواد»، تعد عوامل كفيلة بتغيير حسابات الدول الغربية، لدفعها إلى إعادة النظر في دعم تدخل قوات منظومة غرب أفريقيا، والالتفات إلى «مجموعة دول الميدان»، التي تتزعمها الجزائر، من أجل حثها على التدخل لإقناع الانفصاليين الطوارق بالتراجع عن قرار اعلان الاستقلال، وذلك عبر مساعي الوساطة الدبلوماسية أو بالتدخل العسكري، التي قالت مجموعة الميدان إنها تعتبر «الخيار الأخير» الذي لا يمكن اللجوء اليه إلا إذا استتنفدت كل الوسائل الأخرى.
وفي السياق، انتقل رئيس الحكومة الجزائرية، أحمد اويحيى، إلى ولايتي تمنراست وإيليزي الحدوديتين، بأقصى الجنوب الجزائري، وأدلى بتصريحات حازمة أمام أعيان المنطقة التي تقطنها غالبية من الطوارق الجزائريين، عبر فيها عن «رفض الجزائر لأمرين قد يبدوان للوهلة الأولى حتميين: تقسيم مالي والتدخل الأجنبي».
هذا الاهتمام من جانب رئيس الحكومة يعكس مدى إحساس السلطات الجزائرية بخطورة الوضع في شمال مالي. واعتبر مسؤولون جزائريون أن التحديات التي تفرضها أزمة مالي على بلادهم أهم بكثير من موضوع الحرب في ليبيا. فالموقف الجزائري في أزمة ليبيا تجاوزه تسارع القرارات الجماعية التي صدرت عن الجامعة العربية ومجلس الأمن، بحيث لم يبق أمام الجزائر سوى مسايرة الوضع رغم معارضتها لتدخل الناتو. والأهم من ذلك، من وجهة نظر المصادر الرسمية الجزائرية، أن الأزمة الليبية ليست لها امتدادات مباشرة في الجزائر، عدا مشكلة انتشار السلاح التي يجري التصدي لها على الحدود. بينما يهدد انفصال طوارق شمال مالي بـ«تأثيرات مباشرة على الوحدة الترابية للجزائر، لكونها البلد الذي يحتضن أكبر نسبة من الطوارق فوق أراضيه، وعلى رقعة أوسع من كل البلدان المجاورة».
تجدر الإشارة إلى أن أكثر من ثلث المساحة الاجمالية التي ينتشر عليها الطوارق في الصحراء الأفريقية الكبرى تقع في الأراضي الجزائرية، بينما يتوزع الباقي على جنوب تونس وليبيا وشمال مالي والنيجر وبركينا فاسو، الأمر الذي جعل الجزائر تعترض بكل الوسائل على قيام دولة للطوارق في مالي، طوال الثورات التي شهدها الأزواد منذ الستينيات.
لكن الحكومة الجزائرية تحاول دفع الأمور باتجاه الحلول التفاوضية، وتأخير أي تدخل عسكري لـ«مجموعة دول الميدان» التي تتزعمها، حرصاً على عدم الظهور علناً كطرف معاد للحركات الأزوادية، لتفادي آثارة مشاعر الطوارق الجزائريين.
وقد بذلت الجزائر مساعي حثيثة في بداية تمرد الحركات الأزوادية من أجل حل النزاع عن طريق التفاوض. لكن الانقلاب العسكري في باماكو أعاد خلط الأوراق. ورحّبت الجزائر بقرار الانقلابيين في مالي إعادة السلطة للمدنيين. واعتبرت أن «عودة الشرعية الدستورية» في مالي عامل إيجابي يساعد على تحقيق الأهداف الثلاثة الأساسية التي تسعى إليها الجزائر من خلال مجموعة «دول الميدان: تفادي أي تدخل أجنبي في المنطقة، وإقامة حكومة وحدة وطنية تكفل الحقوق السياسية للطوارق وتسهر على توفير التنمية لمناطقهم، بما يضمن الوحدة الترابية لدولة مالي، ومن ثم التفرغ للتحدي الأكبر الذي تواجهه المنطقة، وهو مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي.