نيويورك | لا تزال القيادة السورية تنظر إلى النوايا الدولية والعربية بعين الريبة، رغم الدعم العلني الذي يعرب الجميع تقريباً عنه لتطبيق خطة الموفد الأممي ــ العربي، كوفي أنان. وفي آخر علامات التشكيك السورية، قال المندوب السوري لدى الأمم المتحدة، بشار الجعفري، لـ «الأخبار»، إن تقويض الخطة ماضٍ على قدم وساق، وهو ما يُترجَم بأشكال مثل تنظيم مؤتمر «أصدقاء سوريا» في إسطنبول، وتمويل المعارضة وتسليحها، وفي مواقف رسمية معلنة مثل تصريحات وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل.


ويشير الجعفري إلى أنه لا يمكن تصديق الدول العربية قبل «وقف الشحن الإعلامي الذي تقوم به قنوات سعودية وقطرية»، إضافة إلى ما يسمّيه الدبلوماسي السوري «الجلسات الكثيرة المتعلقة بسوريا، ومن ضمنها تسخير جلسات الجمعية العامة ومجلس الأمن وغيرها من الجلسات لهذه الغاية».
غياب التعاون بين سوريا وبعض «المجتمع الدولي» يأخذ أشكالاً ومواقف تصاعدت حدتها في الأيام الأخيرة؛ فمن جهة، قالت المندوبة الأميركية، رئيسة مجلس الأمن في دورته الحالية، سوزان رايس، إن ما يشاهد على الأرض «من تصعيد عسكري، يختلف عما يُتوقع لمن وافق على سحب القوات من المدن». أما رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، القطري ناصر عبد العزيز النصر، فقد اصطدم بكل من المندوبين السوري والروسي فيتالي تشوركين خلال الجلسة الطارئة التي عُقدَت على عجل أول من أمس، حيث يقول الدبلوماسيون السوريون إنها «استُغلَّت لشن حملة إعلامية ضد سوريا». وفي تفاصيل القصة أن النصر دعا مساء الأربعاء على عجل لعقد جلسة غير رسمية لأعضاء الأمم المتحدة الـ193 لكي يستمعوا إلى إحاطة هي الثانية في غضون 3 أيام لكوفي أنان عبر الأقمار الصناعية من جنيف، بعدما كانت الاحاطة الأولى يوم الاثنين الماضي أمام مجلس الأمن. ودعا النصر وسائل الإعلام لتغطية الحدث الذي أعلن أنه سينقل على الهواء مباشرة بواسطة قناة الأمم المتحدة، لكن عندما توجّهت طواقم وسائل الإعلام إلى القاعة، فُوجئت بطردها بتعليمات أوضحت «دائرة المعلومات الأممية» أن مصدرها هو رئاسة الجمعية العامة. أمر قلّما اختبره المراسلون في تاريخ الأمم المتحدة.
افتتح النصر الجلسة الرابعة بشأن سوريا منذ تولّيه منصبه. بعدها، وفي نقطة نظام، طلب الجعفري الحضور للوقوف دقيقة صمت على أرواح جميع الضحايا السوريين، بغضّ النظر عن انتماءاتهم. ارتبك النصر وتشاور سريعاً بعصبية ظاهرة مع الأمين العام بان كي مون الجالس على يمينه، ثم مع مساعديه، واتفقوا خلال دقيقة أو اثنتين على رفض الطلب السوري. وأعطى النصر الكلام لبان، تلاه كوفي أنان، وبعد ذلك، أُعطيت التعليمات لتلفزيون الأمم المتحدة لقطع البث دون إخطار وسائل الإعلام التي كانت تنقلها مباشرة، فإذ بالجميع يشاهد شاشات سوداء.
تحوّلت الجلسة إلى مغلقة، منح خلالها النصر المندوب السعودي عبد الله المعلمي فرصة التحدث لربع ساعة، وقيل للجعفري إن الفترة المتاحة له للردّ يجب أن تقتصر على 3 دقائق. وعندما تجاوز الدقائق الخمس، قُوطع على نحو أثار غضبه. وعندما طلب الجعفري نقطة نظام للاحتجاج على إقفال بث الجلسة، أعلن النصر تعليق الاجتماع. أمر أثار استغراب المندوب الروسي تشوركين، الذي أعرب عن اعتراضه على أسلوب الإدارة، فما كان من النصر إلا التصرف بعصبية «وكأنه ناظر مدرسة» بحسب أحد الدبلوماسيين الذين حضروا الجلسة.
خرج الجميع من القاعة، ليعقد الجعفري مؤتمراً صحافياً شن فيه حملة عنيفة على مندوبَي قطر والسعودية اللذين «سخّرا الجلسة لغاياتهم السياسية الضيقة» وفق تعبيره. وشدد الجعفري على أن النصر «تصرّف على نحو معيب لم يسبقه فيه أي رئيس جمعية عامة، فخرق كل الدساتير والأعراف الأممية». وحمل الدبلوماسي السوري على السعودية «التي تعيش في القرون الوسطى» بحسب كلامه. وواصل الجعفري الكلام على مدى ساعة كاملة لوسائل الإعلام، فاتهم النصر بخرق القوانين في ست نقاط أساسية، من ضمنها منح مندوب الاتحاد الأوروبي حق الكلام قبل المندوب الروسي، وهو ما ينطوي على «مخالفة جوهرية، لكون الاتحاد الأوروبي ليس معترفاً به كدولة».
أما النصر، فقد فسّر الأمر لـ «الأخبار» بالقول إن الجلسة كانت غير رسمية، وبالتالي لا يمكن فرض قوانين رسمية عليها، كاشفاً أنه سمح للمندوبين بالسؤال والجواب فقط في حوار مع كوفي أنان. وانتقد النصر زميله السوري «الذي أراد أن يرد على كل شيء»، من دون انتقاد المندوب السعودي الذي تحدث لربع ساعة.




عندما يقوّم بان كي مون الأوضاع السورية



قدّم الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، تقويماً بشأن مهمة البعثة الدولية في سوريا لمراقبة وقف إطلاق النار، مشدّداً على ضرورة عدم تكرار تجربة العراق وليبيا في بلاد الشام

ينظر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، إلى الوضع في سوريا على أن الدولة يجب أن تبقى كي لا تتكرر تجربة ليبيا أو العراق، لكنه لا يزال متمسكاً بتغيير رأس النظام. موقف تراجعت عنه الجامعة العربية التي باتت تدعو إلى الحوار مع المعارضة نحو حل سياسي تقوده سوريا، وهو الموقف نفسه الذي ترجمه بيان مجلس الأمن الدولي أخيراً، ومواقف المبعوث الدولي المشترك بين الأمم المتحدة والجامعة العربية، كوفي أنان.
من هذا المنطلق، يتحدّث بان عن تطبيق خطة أنان ذات النقاط الست وآلياتها، فينظر إلى حفظ النظام على يد قوى الأمن الداخلي بعد انسحاب الجيش من التجمعات السكنية الساخنة. ويرى الرجل، في حديثه مع وفد من مراسلي الشرق الأوسط، من بينهم «الأخبار»، أن العنف «مصدره القوات المسلحة السورية بالدرجة الأولى»، من دون الحديث عن وجود قوى مسلحة مدعومة من الخارج، لكنه من جهة أخرى، لا يفوّت فرصة للتنديد بالعمليات الإرهابية الانتحارية التي وقعت في دمشق وحلب، وتسببت بوقوع ضحايا كثُر.
وعن الفريق الدولي التحضيري الذي يزور دمشق حالياً برئاسة الضابط النروجي روبرت مود، يشدّد بان على أنه ليس سوى فريق تقني، «وليس فريقاً متقدماً لأن ذلك يحتاج إلى قرار عن مجلس الأمن الدولي». ويكشف المسؤول الأممي أن الفريق المذكور يبحث مع المسؤولين السوريين حالياً، موعد وآليات نشر المراقبين بعد انسحاب القوات المسلحة من المناطق المأهولة إلى ثكنها إذا تحقق وقف إطلاق النار. ورداً على سؤال بشأن إمكان امتثال المعارضة المسلحة لوقف إطلاق النار صبيحة 12 نيسان الجاري، يكرر بان أنّ مساعد أنان، ناصر القدوة، أجرى في إسطنبول «لقاءً جيداً مع المعارضة التي باتت تتحدث بصورة أكثر تماسكاً نوعاً ما»، في إشارة إلى تعهدات تحدث عنها مساعدو كوفي أنان، وتفيد بأن المعارضة «تعهّدت الالتزام طالما التزمت القوات الحكومية». وبالحديث عن الرواتب التي يُقال إنها تُقدَّم للمسلحين والمنشقين، وتهريب السلاح إلى سوريا براً وبحراً، يرى بان أن ذلك مجرّد «كلام غير رسمي».
أما بالنسبة إلى التحضيرات الدولية والاستعدادات المتخذة للتعاطي مع موعد انتشار ما بين 200 إلى 250 مراقباً دولياً بعد وقف النار، فتشير بعض التسريبات إلى أنه يرجّح أن تؤمّنهم «دائرة حفظ السلام» من القوات الدولية العاملة في الجولان (أوندوف) وجنوب لبنان (اليونيفيل)، علماً أن دمشق لا تزال ترفض أن يكون المراقبون مسلحين، بموازاة استمرار التشاور حول الدول المستعدة لإرسال جنود من عديدها.
وهنا تُطرَح مشكلة جديدة، بما أن الرئيسة الحالية لمجلس الأمن الدولي، السفيرة الأميركية سوزان رايس، رفضت إرسال مراقبين من دون حماية. بالتالي، يُنتظر أن تبقى هذه المسألة موضع أخذ وردّ داخل مجلس الأمن الدولي قبل اعتماد قرار إرسال المراقبين، علماً أن مهمة هؤلاء ستنحصر، بحسب بان كي مون، في مراقبة توقف العنف من الطرفين بموجب البيان الأخير لمجلس الأمن الدولي.
يشار إلى أن مجلس الأمن كان قد تبنى أول من أمس بياناً يدعم خطة الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان، من دون تحديد مهل لتطبيقها، وذلك بعد ضغط روسي، فيما كان الغرب يرغب في التلويح بـ «إجراءات إضافية» في حال عدم الاستجابة السورية.