فور إعلان نبأ دفع جماعة الإخوان المسلمين بخيرت الشاطر للترشح إلى منصب الرئيس، التفت الكثيرون إلى السلفيين بتياراتهم المختلفة، ولا سيما «الدعوة» السلفية وحزب النور، ذراعها السياسية، بوصفهما الفصيل الأكبر الذي لم يحسم موقفه بعد، وتدور في كواليسه مناقشات عديدة حول المرشح الذي سينال دعمهم، وخصوصاً أن السلفيين يملكون هرماً تنظيمياً ولهم وجود في الشارع المصري يمتد إلى مدة تزيد على 25 عاماً.


وجاءت التسريبات لتصبّ في دعم الدعوة السلفية وحزبها لترشّح الشاطر، وخصوصاً مع التأكيدات الإخوانية أن السلفيين سيدعمونه. إلا أن عبارات النفي من قبل «الدعوة» وحزبها جاءت سريعة، على الرغم من ترحيبها بترشح الشاطر قبل إعلانه ذلك. بل إن تصريحات معلنة لقادة من الفصيلين جاءت لتصبّ في مصلحته بعد جلسات جمعت بين الدعوة والمرشحين الذين وصفوا أنفسهم بالإسلاميين، كعبد المنعم أبو الفتوح وسليم العوا وباسم خفاجي. ورأت «الدعوة»، وفق مصدر وثيق الصلة بقيادتها، أن أبو الفتوح «يطمئن النصارى والعلمانيين أكثر منّا ولا يلقى دعم الإخوان». أما سليم العوا «فعلى الرغم من حكمته الظاهرة وثباته الانفعالي، لديه مسائل فيها خلل عقدي مخالف لأهل السنّة والجماعة، ولا سيما في ما يتعلق بالشيعة، وفرصه في الفوز ليست قوية»، بينما خفاجي «لا يملك فريق عمل وفرصه في الفوز ضعيفة».
وجاءت اللقاءات التي جمعت الدعوة مع المرشحين الإسلاميين لتؤكد الوزن النسبي لهؤلاء المرشحين، إذ امتدت الجلسة مع أبو الفتوح قرابة ساعتين، في حين دام اللقاء مع العوا 5 ساعات، ومثلها مع خفاجي، وحضر هذه الجلسات متخصصون في علم النفس والاجتماع والاقتصاد والشريعة، قدموا تقارير مفصلة عن كل مرشح بعد كل لقاء.
وفي مقابل تحفظ الدعوة السلفية على كل من أبو الفتوح والعوا وخفاجي، يعدّ الشاطر قريباً من السلفيين، لكنهم يتأخرون في إعلان دعمهم له لأسباب متعددة، تشمل تاريخ خيرت الشاطر وتكوينه، فضلاً عن فرص منافسه حازم صلاح أبو إسماعيل في الحصول على الدعم السلفي، إلى جانب مسألتي موقف الشاطر الحالي وجماعة الإخوان من العسكر، ومن رؤية الشباب السلفي للأمر.
فخيرت الشاطر أحد الرجال التنظيميين والتابعين لما يطلق عليه «التيار القطبي» في الجماعة، والذي يسيطر على مفاصلها في منابع اتخاذ القرار، وهو ما يستهوي التيار السلفي بتكوينه الفكري القريب من هذه المدرسة. كذلك فإن الشاطر، إلى جانب عضويته في جماعة الإخوان، عضو في الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، وهي إحدى الهيئات المشاركة في مبادرة «ائتلاف القوى الإسلامية» التي أطلقها القيادي التاريخي في الدعوة السلفية محمد إسماعيل. وتقوم على أن يجتمع 13 كياناً ينتمون إلى الفكرة الإسلامية، سواء كانوا جماعات أو أحزاباً أو هيئات أو علماء أزهريين، ويختاروا مرشحاً رئاسياً واحداً ينال دعم هؤلاء جميعاً، بما يعني تزايد فرص الشاطر بوصفه تابعاً لجماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة وعضواً في الهيئة الشرعية، ونال تأييد الجماعة الإسلامية وحزبها «البناء والتنمية».
الأمر الآخر الذي يقوّي من فرص الشاطر في الحصول على الدعم السلفي، هو رؤية التيار السلفي لحازم صلاح أبو إسماعيل. فرغم عقد «الدعوة» معه 4 لقاءات حتى الآن، آخرها كان الاثنين الماضي في الإسكندرية، لم تُبد ارتياحاً لدعمه لأمور تتعلق «بضعف قدراته الإدارية والسياسية والاقتصادية»، و«تهوّره واندفاعه في اتخاذ القرارات من دون استشارة أحد»، فضلاً عن «إشكالية جنسية والدته التي لم تحسم رسمياً حتى الآن»، وفق مصادر وثيقة بدائرة صنع القرار في الدعوة السلفية.
كذلك يدعم من فرص الشاطر أن بعض مشايخ الدعوة السلفية التاريخيين، كسعيد عبد العظيم ومحمد إسماعيل المقدم، يرحبون بفكرة ترشحه. أما في المنهج الاقتصادي، فيرى قادة الدعوة السلفية، وكثير منهم يعمل في المعاملات الاقتصادية، أن الشاطر قادر على إدارة مؤسسات اقتصادية بطريقة ناجحة، ويرون أنه «رجل الأعمال الصالح الذي ينفق ماله في مشروع النهضة الإسلامي». كذلك تتقارب الرؤى الاقتصادية بينهما كثيراً.
أما شباب الدعوة، فقسم منهم يتحمس لرؤية القيادي الإسلامي راغب السرجاني التي طرحها في زيارته الأسبوع الماضي في الإسكندرية لمشايخ الدعوة، حيث طلب منهم تطبيق مبدأ «الاجتماع على المفضول خير من التفرّق على الفاضل»، في إشارة منه إلى خيرت الشاطر الذي تجتمع عليه جماعة الإخوان وأكثر مشايخ الدعوة، ما عدا أحمد فريد وأحمد حطيبة، اللذين أعلنا دعم أبو إسماعيل ومعهم قطاع عريض من الشباب لأنه «يُعلي من راية الشريعة ويجهر بها».
إذاً لماذا يتأخر إعلان الدعم الرسمي للشاطر؟ أوضح عضو الهيئة العليا لحزب النور، المتحدث الرسمي باسمه، يسري حماد، لـ«الأخبار»، أن الدعوة والحزب يلتزمان بمبادرة القوى الإسلامية ويخشون أن يستبعد أحد المرشحين الإسلاميين أثناء فترة نظر الطعون»، في إشارة منه إلى الموقف «الملتبس» قانوناً للشاطر وأبو إسماعيل. وأضاف «السلفيون يخشون من تراجع أحد المرشحين أو تنازله لسبب أو لآخر»، في إشارة منه إلى ما يتردد عن احتمال تراجع الشاطر مخيّراً أو مجبراً «بالقانون» إذا وصل الإخوان والعسكر إلى تفاهمات.
يضاف إلى ذلك موقف أغلبية الشباب، التي جعلتهم مواقف المشايخ التاريخيين الملتبسة حتى الآن «مذبذبين»، ويفضّلون «التوقف» حتى إعلان الدعوة موقفها رسمياً.
في خضم هذه الحالة، ظهر صوت بدأ يعلو عقب اللقاء السري الذي حضره الشاطر قبل ثلاثة أيام في الإسكندرية مع حراسه الشخصيين فقط، لمقابلة كل أعضاء مجلس الدعوة السلفية، ومنع من حضوره نواب حزب النور في مجلس الشعب. ويطالب هذا الصوت بأن يكون موقف الدعوة هو «عدم دعم أي مرشح في المرحلة الأولى من الانتخابات وترك الأمر بحرية للقواعد، على أن يكون الدعم للمرشح الإسلامي في مرحلة الإعادة».
وأرجع أصحاب هذا الرأي داخل «الدعوة»، وهم من كوادرها، تقديمهم هذا الطرح في حديث مع «الأخبار» إلى أنه ليس من مصلحة الصف الإسلامي التخندق داخل معسكر واحد أمام القوى الأخرى، فضلاً عن أن الالتزام بإعلان دعم مرشح بعد غلق باب الطعون قد يورطهم في دعم مرشح لا يريدونه أو ليس له شعبية، فيحصل شق في صفوف الدعوة، ولا سيما بين الشباب ـــ وفق رؤية هذا الاتجاه.
وماذا عن التيارات السلفية الأخرى؟
يكشف وزن التيارات السلفية الأخرى، غير مدرسة سلفية الإسكندرية، عن دعم الشيخ محمد عبد المقصود في القاهرة للشاطر علناً، بينما تميل جماعة أنصار السنّة المحمدية ومعها الجمعية الشرعية إلى ذلك، لكنهما في انتظار الموقف النهائي «لمبادرة ائتلاف القوى الإسلامية».
من جهته، استبعد محمد ياقوت، وهو مراقب مهتم بشأن الحالة الإسلامية، أن يكون للدعوة أي مرشح غير إسلامي، مرجعاً ذلك إلى أن رؤيتها تقوم على فكرة أن الرئيس هو رأس الدولة وموجه لكل المشروع الإسلامي، والدفع بأي مرشح غير إسلامي سيؤخّر نهضة الأمة، كاشفاً لـ«الأخبار» أن السلفيين سيسعون حال توافقهم على مرشح واحد إلى أن يقنعوا الباقين بالانسحاب لمصلحته، على أن يكون نوابه من بينهم.