ما زلت أذكر تلك الفتاة الفلسطينية التي كانت تعجبني عندما كان عمري 10 أعوام. أذكر كيف كنت أنتظرها يومياً على باب مدرستها التي صادف أنها بالقرب من بيت جدي. كما أذكر كيف أنني، ولمدة أربع سنوات، حاولت أن أقول لها إنني معجب بها، لكنني كنت أخجل. حتى اليوم، ما زلت أرى ذلك «الشطب» على وجهها، والابتسامة التي اعتادت رسمها كلما التقت نظراتنا. حتى طريقة تصفيفها لشعرها على شكل كعكة دائرية أذكرها جيداً، وكيف كنت أسير بقربها من «راس الزاروبة» حتى باب المدرسة. كل ما كنت أفعله هو السير بقربها والنظر إليها فقط. في ذلك العمر، كنت «استغلالياً» بامتياز . فقد استغللت محبة جدتي التي كان منزلها ملاصقاً لمدرسة «حبيبتي» المفترضة، لأرصد تحركاتها في الملعب أو حتى وهي جالسة في صفها. كل الأشياء كانت في مصلحتي، لكنني أفكر اليوم لماذا كنت أجبن من أن أعبر لها عن ذلك؟


ذكريات الطفولة هذه لا تزال موشومة في مكان ما في عقلي. أذكر شعوري عندما كنت أراها تخرج من مدخل المخيم، وكيف كانت نظراتي تلاحق خطواتها وهي تتجه ناحيتي. لكنها، هي، كانت تعتبرني لبنانياً. فلهجتي التي لطالما سمعتني أحدث بها أصدقائي أوحت لها بذلك، ربما كان هذا تبريراً أحاول أن أقنع نفسي به الآن.
أنا أيضاً، للأمانة، في ذلك العمر كنت أعتبر نفسي لبنانياً، برغم من سماعي للهجة والدي الفلسطينية في البيت. فأنا لم أكن أعرف شيئاً عن واقع أبناء وطني الأول الذين يقطنون على بعد أمتار مني فقط. كنت منسلخاً عن كل هذا. ببساطة، كنت طفلاً في ذلك العمر ولم يكن مفترضاً بي أن أعرف كل تلك الأشياء. أما اليوم، وحين أعود إلى التفكير في الماضي، أتذكر أنني كنت أخاف حتى من الدخول الى المخيم. لماذا؟ لا أعلم. ربما كان ذلك بسبب الصورة النمطية المتداولة في «بيئتي الحاضنة»، والتي ربما زرعت في غفلة مني عن المكان وأهله. فقد كانوا يخوّفوننا من «العلقة» مع «الفلسطينية» ... والأكراد. فالاثنان معروفان بتكاتف أبنائهما. أما تلك الفتاة التي لا أزال حتى يومنا هذا لا أعرف شيئاً عنها ولا حتى اسمها، فقد كانت في تلك الفترة «الشيء» الوحيد الجميل من المخيم.
في تلك الفترة، كان كل شيء جميلاً، حتى عندما كان أفراد من اللجنة الأمنية الفلسطينية يقومون بضرب «الزعران» الذين «يلطشون» بنات المخيم، كنت «أزمط» دائماً من «القتلة». لهجتي اللبنانية كانت تسعفني دوماً. فكل مرة كنت أُسأل «إيش عمال تساوي هون وله؟»، كنت أجيب «لبناني وبيتي بآخر الزاروب»، فكانت هذه العبارة السحرية دائماً تنجيني.
اليوم، أتمنى لو أنني أتقن أو أتكلم اللهجة الفلسطينية بدون افتعال. المخيم لم يعد ذلك المكان المخيف، بل تحول الى ملاذي عندما أشعر بيأس. ففنجان القهوة في أحد أزقة المخيم «بيسوى الدنيا وما فيها». والبساطة الموجودة هناك بين أبناء المخيم جميلة، وعدم التصنع في التعاطي معك أجمل. السير في المخيم ليلاً وحدك، لا يشاركك الأزقة سوى قطط تبحث عن رزقها، تشعرك بسعادة من نوع غريب.
تذكرت أن أقول إنني منذ فترة رأيت تلك الفتاة. كانت تسير وخلفها «جيش» من الأطفال، وطفل آخر على ذراعها. التقت أعيننا مجدداً، اعتقدت أنها لن تتذكرني، لكنها ابتسمت ابتسامتها المعتادة. عرفت أنها تذكرتني. بعد هذا العمر لم أجرؤ أن أكلمها أو أعترف لها بأنني كنت معجباً بها، لكنني تجرأت بعد كل هذا العمر على النطق بكلمة واحدة: «مرحبا».