صور | عندما تمرّين بالسيارة على الطريق البحري من العبّاسية إلى صور، ترين مباني فخمة حديثة البناء وأراضي تفرز للتطوير. هذا على يسارك، إلى الشرق يعني. أمّا من جهة الغرب، فتفصلك عن البحر أبنية غريبة لا تفهمين إن كانت مؤقّتة أو هي هنا منذ زمن. ألواح من الصفيح وبيوت صغيرة من طابق واحد بأسقف زينكو تقول إن المكان مؤقّت. لكن حدائق صغيرة وبساتين، أشجار زنزلخت وزيتون وتوت وتين و«أقنان» بطّ ودجاج ومصطبات بين المنازل تعلوها عريشة، تقول إن المكان مسكون منذ زمن. أمام البيت المشرّعة أبوابه على الطريق، نجلس. على المصطبة، وتحت عريشة نتفها صقيع آذار، وتتسلل من بين أوراقها شمس حيية نشرب القهوة.


يجالسنا أربعة رجال ويشرحون لنا ظروف المعيشة هنا، صعوبتها، والبحر قريب جداً، تدمير البيوت كل سنة، حالتها المتردية، البطالة، تزايد السكان والتجمّع ممنوع من التمدّد.
على مدخل الجل، زحمة «موتسيكّات»، وسيارات «بي أم» و«مرسيدس». الأولى للزعران، والثانية لسوّاقي التاكسي، ومعظمهم من دون دفتر أو نمرة، وتعمل محرّكات سياراتهم على مازوت ممنوع، وعلى الأرجح أنهم لم يعاينوا السيارة منذ سنين. لذلك، يحصل كثيراً أن يتوقّف سائق السرفيس في الطريق فجأة ليعتذر عن أنه لا يستطيع أن يكمل، فتفهمين أن هناك حاجزاً طيّاراً لشرطة السير.
يأخذوننا في جولة بين البيوت، إلى البحر. الزواريب أولاً هي كناية عن مسافة حوالى 70 سنتم بين البيوت، والأرض رملية. رمل البحر. نصل إلى الشاطئ المجنون «مرمل النساء». بين البحر والبيوت، بني «سدّ بحري» ليقي المخيّم ضربات الموج. أبحث عن السد. «هيدا هوي؟» أسأل وأنا أدلّ على حائط أسمنتي يعلو مجرد 50 سنتم! «إيه، وبعد ناقص منّو 300 متر ما عمّروهن» يقولون لي. ضربت التجمّع عاصفة قوية في السنة الفائتة فدمّرت الكثير من المنازل. توافدت الجمعيّات الأهلية لترمّم وتعيد البناء و«تحسّن». فرمّم النروجيون والقطريون (شكراً قطر والنروج هذه المرّة) وأعادوا إعمار 63 بيتاً، بينما يحوي التجمّع حوالى 273 بيتاً كلّها في حالة سيئة. لكن هنا، في هذا الجزء من الجلّ، البيوت كلّها في حالة جيدة، الجدران رمّمت والأسقف جديدة أمّنها النروجيون بطريقة لا تخالف القوانين اللبنانية (ليست أسمنتية) وتقي المنازل شرّ الماء والحرارة.
هنا الناس معظمهم من ترشيحا على الحدود بين لبنان وفلسطين، ومن الناصرة ومناطق أخرى من عكّا. يحوي التجمع حوالى 2500 شخص، ممنوع من التمدّد أفقياً أو عمودياً. إلى جانبه، يبدو أي مخيّم آخر حيّاً راقياً. فهنا الأسقف ما زالت زينكو، وسكّان التجمّع يتزايدون ولا مكان يذهبون إليه. «هاد متجوّز وما عندو شغل وقاعد عند أهلو» يضحك أحد الشبّان، مشيراً إلى صديقه، فتنهره أخته «شو إنت أحسن منّو؟ لا بتشتغل ولا بتتجوّز ولا إشي!» فالشبان هنا نادراً ما يجدون عملاً. يتزوّجون ولا يستطيعون شراء منزل خارج الجلّ، ولا يستطيعون البناء فوق بيت الأهل أو بجانبه، فيأخذ كلّ عريس عروسه عند أهله. وهكذا، يتكاثر أهل تجمّع تضيق جدرانه المهترئة أصلاً بسكّانه الأصليين.
أدخل الغرفة لأتكلّم مع مهى على حدة. هي، عشرينية جميلة، تربط شعرها كتلميذات المدرسة. يدخل أبوها ليستمع. عموميّات. يجيب هو عن أسئلتي الموجهة إليها أحياناً. يخرج حين يرى أن لا خطر من أسئلتي. هي لا تعمل أو تدرس. فنساء التجمّع قليلاً ما يعملن. أسألها إن كانت تحسّ بالأمان هنا. «الناس بتعرف بعضها» تقول. لكنّها لا تخرج في الليل مع أن «التجمّع أمان»، حتى إلى دار جدّها إلّا مع أخيها. أسألها عن الحجاب. ففي مخيّمات صور غالباً ما ترتدي النساء الحجاب. تضحك وتقول إن أخاها «ملتزم» ويريدها أن تتحجّب، ولكنها لا تريد. نتشارك قهقهة صغيرة، كمؤامرة. التجمّع لا محالّ فيه ولا مكان قريباً للتبضّع. هو كخطّ مواز للبحر تتراصّ عليه بيوت وجنائن صغيرة. ولكن، من أين تشتري حاجيّاتها؟ «يأتينا باعة جوّالون» تقول. فالتجمّع يواجه البحر ويدير ظهره للمدينة التي يفصله عنها أوتوستراد. ووراء الأوتوستراد؟ أراض شاسعة، اشتراها آل ساحلي، الغول العقاري الجديد لصور. يقولون لك إنهم يحاولون «تنظيف» المنطقة والاستحواذ على الشاطئ عبر طرد أهالي جل البحر. ففي النهاية، بالنسبة إلى «المطوّر»، شاليهات أحسن من مخيّم فلسطيني. ويأتي قريب يزورهم. «بيعتّب حلو»، يقولون. لا يدعهم «يعزمونه» كثيراً. سرعان ما نسمع صوت العتابا (شاهد الرابط على موقع الجريدة الالكتروني). نتكلّم عن الأحزاب، ويذكر أحد الجالسين الحزب الشيوعي الإسرائيلي وكيف أن محمود درويش كان عضواً فيه. فيعلّق أحدهم «محمود درويش. هاد اللي بكتب شعر؟».
ونذهب إلى ناحية أخرى من التجمّع، حيث أسقف وجدران من صفيح. إنّه حيّ الفلّاحين، مقارنة مع حيّ البدو الذي كنّا فيه. أهله معظمهم من البصّة و الزّيب وميعار، قضاء عكّا. هنا الحال مختلفة. فبعيداً عن أقارب أعضاء اللجنة الشعبية العشرة (فتح) لا تصل المعونات ولا المؤسسات غير الحكومية ولا قطر. هنا، طار منذ يومين، كما تطير الشراشف عن حبل غسيل، سقف منزل عائلة من 7 أشخاص. والمنزل أصلا مهترئ، غرفه لا يصلها النور. تأخذني صاحبة «المنزل» إلى المطبخ وغرف النوم. السقف مخيف. حديد صدئ مهترئ ينوء تحت ثقل الأحجار التي تبقيه ثابتاً في مكانه. فهنا يمدّون الزينكو كل سنة أو سنتين، ويثبّتونه بوضع أحجار خفّان غالباً ما تقع على السكان عندما يهترئ الحديد. صعدت إلى السطح فرأيتها متشابهة، يغطّيها الصدأ ويدخل البرد والماء إلى الغرف.
«ليش ما حكيتو اللجنة؟» أقول. «كلّو بالوسايط، تقول، حكيناهن وما ردّوا». الفرق واضح بين بيوت أعضاء اللجنة الشعبية والبيوت الأخرى. فالبيوت التي تنزل عليها نعمة الواسطة لا نشّ فيها ولا مشاكل في الجدران وقد مرّت عليها يد النروجيين والقطريين الساحرة. في المقابل، يعترف أعضاء اللجنة بأن المساعدات لم تصل إلى كل البيوت. طيب، لمَ وصلت إلى بيوتهم أوّلاً؟ ترشدني لطيفة إلى المنازل حولها: تشقّق جدران، أقسام تنهار، أسقف زينكو مهترئ أكله الماء والملح. أخوها يعمل في البساتين وينقل ترابة وأسمنت. هو مع حركة أمل يقول لي. «فلسطيني ومع أمل...كيف؟» أسأل. تضحك أخته: «ما إلنا ضهر. وهون متل ما شايفة، الدرك بعملو دورية كل يوم، ممنوع نصبّ مصطبة قدّام البيت. وبتعرفي الوضع بصور». في الجهة الأخرى من تجمّع جلّ البحر، منطقة منسية يسمّيها السكّان «بعلبك ـــ الهرمل»، لأن لا شيء من المساعدات يصلها. فـ«ترميم جدار في تجمّع فلسطيني يمسّ أمن الدولة»، تقول الحاجة أم جلال. في مكتبه، ينهي أمين سرّ اللجنة الشعبية ـــ التي استفاض السكّان في شتمها ـــ حمد مصطفى درويش حديثه بالقول «سجّلي عندك»، ويصرّ على أن يمليني «باسمي وباسم اللجنة الشعبية كاملة وباسم جل البحر، نوجّه تحية إلى الأخ الرمز أبو مازن». ويكمل حديثه مترحّماً على الشهيد أبو عمّار، ومشدّداً على أن الأخ أبو مازن «هيك (بيده)، دغري. ما بفرّط بحبّة تراب». أركب السيارة مع فادي الذي تطوّع ليعرّفني إلى الجلّ، فيقول بعد أن يأخذ نفساً «العمى شو عنده أمل».




لا مدارس في الجلّ. فأطفاله يذهبون مشياً إلى مدارس مخيّم البص المجاور على طريق خطرة لا أرصفة فيها. بنت جمعية «أرض البشر» عدداً من المطبّات لحمايتهم، لأن العديد قتلوا على هذه الطريق، إلّا أن بلدية العباسية أزالتها لسبب ما. نادراً ما ينهي الأولاد المرحلة المتوسّطة. تخبرني لطيفة التي أنهت الصف الثالث متوسّط ثم درست التصميم الغرافيكي، بأنّها لا تعمل لأنها لن تحصل على أكثر من 300 ألف ليرة في الشهر. يعلّق صديقي «يعني إنتو ممنوع تعملو أي شي، محطوطين بمطرح ما في خيار إلّا تصيروا مجرمين ومش عم بتصيروا. وعم بيحاربوكن عشان ما عم بتصيرو».