برغم إقرار المراسلين الإسرائيليين بأن تفاصيل اللقاء الذي عقد اول من أمس في واشنطن بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي باراك أوباما ستستغرق بعض الوقت حتى تتسرب إلى العلن، إلا أن القدر الذي تمكنوا من الاطلاع عليه حول ما جرى يكفي للاستنتاج أن نتنياهو خرج من اللقاء كما دخل إليه، وأن الخلافات بين الجانبين حيال طريقة معالجة الملف النووي الإيراني بقيت على حالها: من جهة، اعتراض أميركي على أي مغامرة عسكرية إسرائيلية ضد إيران، في وقتٍ تعتقد فيه واشنطن أن السبل الدبلوماسية للحل لا تزال متاحة


، ومن جهة أخرى، إصرار إسرائيلي على عدم جدوى العقوبات المفروضة على طهران وسعيٌ إلى استدراج تصعيد في الموقف الأميركي ضدها تعتبر تل أبيب أنه يشكل ضمانة تعوّضها عن ترحيل الاستحقاق الإيراني إلى المدى الذي ترى واشنطن أنه ضروري لتبيان جدوى أو عقم التعويل على الخيارات غير العسكرية.
وانتقل الزعيمان إلى اللقاء المغلق في ختام لقاء علني قصير لم يتضمن إتاحة الفرصة أمام الصحافيين لطرح الأسئلة، لكنه أوضح سريعاً الاختلافات في الرؤية بين الجانبين. وهكذا قضى الزعيمان ساعتين، بدلاً من ساعة وربع الساعة كانت مقررة مسبقاً، في بحث التباين في وجهات النظر بينهما حول الموضوع الإيراني وسط حرص من الجانب الأميركي على «تدفئة الأجواء» وعلى توفير مناخ «ودي ومباشر وجدي» ساد اللقاء على حد تعبير مسؤولين في البيت الأبيض لصحيفة «معاريف» الاسرائيلية أمس. إلا أنه برغم ذلك، «كان في الجو شيء من القتامة» حيث «لم يتناول الحديث أموراً شخصية» في دلالة تعكس انعدام الحميمية بين الرجلين. على مستوى المضمون، تحدثت «معاريف» عن توافقات «بديهية» شهدها اللقاء. فكلا الزعمين متفقان حول عدم السماح لإيران بامتلاك قدرات نووية، وكلاهما متفقان على أن لإسرائيل الحق في ممارسة سيادتها واتخاذ خطوات وقائية للدفاع عن نفسها، لكن، «ينتهي الأمر هنا لتبدأ مساحة سائبة مظلمة من عدم التوافق والاشتباه المتبادل».
وأبرز ما تناقلته الصحف الإسرائيلية حول مضمون الاجتماع، هو أن نتنياهو أوضح لمضيفه الأميركي أنه لم يتخذ حتى الآن قراراً بمهاجمة إيران، إلا أنه شدد في المقابل على حق إسرائيل في اتخاذ مثل هذا القرار. ووفقاً لـ«معاريف» فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي أشار إلى أن هناك من يحاول الإيحاء بأن إسرائيل اتخذت هذا القرار، «وهذا ليس صحيحاً»، معتبراً أن «هدف أنباء كهذه، لا سيما في وسائل الإعلام الأميركية، هو منع إمكانية اتخاذ مثل هذا القرار». كذلك أعرب نتنياهو عن إحباطه من تصريحات يطلقها مسؤولون أميركيون حول النتائج السلبية لأي هجوم على إيران، مشيراً إلى أن من شأن تصريحات كهذه أن تبعث برسالة ضعف إلى طهران.
وبحسب مراسلين إسرائيليين، جهد نتنياهو في شرح رؤيته حول «مملكة الشر الإيرانية»، عارضاً على أوباما أدلة وتقديرات تفيد بأن القيادة العليا في الجمهورية الإسلامية قد استقر رأيها على إبادة إسرائيل، وقدم للرئيس الأميركي معلومات جديدة تشير إلى أن المشروع النووي الإيراني أكثر تقدماً مما هو معروف، بحيث إن الإيرانيين يمكنهم «الانقضاض» على السلاح النووي لحظة يقررون ذلك، وهذا من شأنه أن يفاجئ الغرب وهو غير جاهز لمواجهتهم. وفي مثل هذه الحالة، «سيكون الأوان قد فات حتى على الولايات المتحدة التي لا يمكنها السماح لنفسها بمهاجمة دولة يوجد لديها صاروخ نووي بعيد المدى».
وأوضح نتنياهو أن «الساعة بالنسبة إلى إسرائيل تدق: ففي اللحظة التي تخفي فيها إيران منشآتها الذرية لن تستطيع اسرائيل مهاجمتها لأنها لا تملك المعدات المناسبة». وعلى المستوى العملي، طلب نتنياهو من الرئيس الأميركي تشديد العقوبات على إيران بالدرجة الأكثر تطرفاً، كما طلب تحديد ثلاثة شروط واضحة لبدء المحادثات معها: تفكيك منشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم قرب مدينة قم، وقف تخصيب اليورانيوم وإخراج كل اليورانيوم المخصب إلى ما فوق مستوى 3.5 في المئة إلى خارج إيران.
من جهته، أوضح الرئيس الأميركي لضيفه أن هجوماً إسرائيلياً ضد إيران في الصيف المقبل لن يحقق الهدف، بل على العكس، سيكون مصيبة ذات تداعيات تاريخية على إسرائيل ومستقبلها. وإذ شدد أوباما التزامه بمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، أعرب عن تقديره بأن الدبلوماسية يمكنها منع إيران من تحقيق هذا الهدف «أو محاولة ذلك على الأقل». وعلى ذمة الصحافة الإسرائيلية، طلب أوباما من نتنياهو وقتاً لاستنفاد الخيار الدبلوماسي وتحدث عن بضعة أشهر، إلا أن الأخير «رفض الالتزام، لكنه نقل إلى الرئيس رسالة مطمئنة تفيد بأن قرار الهجوم لم يُتخذ بعد، وكان هذا بالنسبة إلى الأميركيين التزاماً يمكن في الأثناء العمل معه».
وبالرغم من كل شيء، لم يتعهد أوباما بهجوم أميركي على إيران في ربيع 2013، وشرح لنتنياهو لماذا الخط الأحمر الأميركي بعيد جداً عن الخط الأحمر الاسرائيلي، مقدماً له وعداً بأنه «إذا انتظر واعتمد عليه، فسيعمل في يوم الحسم على مواجهة إيران بطريقة عسكرية».
ولخصت «معاريف» نتائج اللقاء بالقول إن نتنياهو خرج خالي الوفاض من عند أوباما. ونقلت عن مصادر أميركية قولها إنه لم يحصل على ما طلبه ولم يتوصل مع الرئيس الأميركي إلى توافق حول الجدول الزمني لاستنفاد الدبلوماسية وفاعلية العقوبات، كما أنه لم ينجح في تلطيف حدة الخط الأحمر الأميركي الذي يتحتم عند تجاوزه استخدام القوة.