تونس | قد لا تكون أقوال وأفعال قادة حركة «النهضة» في تونس ممنهجة في إطار خطاب سياسي واحد، وخصوصاً إذا ما أشرنا إلى تصريحات متناقضة فكرياً وحتى سياسياً، بين التشدد في بعض الأحيان والخطاب الفكري المستمد من أصول فقهية إسلامية يميل في أصوله التنظيرية إلى تأسيس دولة دينية، إلى خطاب منمق حداثي في شكله، ويتماشى مع روح الدولة المدنية. تلك هي الحالة إذا ما قارنّا بين تصريحات كبار قادة الحركة، وخاصة منهم النائب الصادق شورو الذي طالب في المجلس بـ«قطع أيدي وأرجل» المتضاهرين والمضربين من «دبر» أو «نفيهم» من الأرض، في صيغة فتوى شرعية لصدّ الاحتجاجات، وهو استعمال لم يكن في محله إذا ما قارناه بعلم القياس أو الاجتهاد الذي تعتمد عليه «الشريعة» الإسلامية في إصدار الفتاوى، في وقت دعا فيه بعض النواب إلى أن تكون «الشريعة» مصدراً أساسياً للتشريع، لكن ليس المصدر الوحيد.

جدال الدين والدولة، وفصل هذا عن ذاك على المستوى التشريعي، قد يكون مبالغاً فيه من جانب «النهضة»، خاصة أن أغلب الحركات السياسية المكونة للمشهد السياسي قد اتفقت في صيغة واحدة أسست لهوية الدولة التونسية على حسب ما يقوله الفصل الأول من دستور 1959 الذي ينص على أن «تونس دولة دينها الإسلام ولغتها العربية».
لكن هذا الجدال وفصل «المقدس» عن المدني، قاد البلاد من جديد إلى حوار حول الهوية، وقاد زعيم حركة «النهضة» راشد الغنوشي إلى المشاركة في النقاش في محاضرة قدمها في «مركز دراسة الإسلام والديموقراطية» تحت عنوان «العلمانية وعلاقة الدين بالدولة من منظور حركة النهضة»، ليفتي من جديد بأن «مسألة حياد الدولة عن الدين أو الدين عن السياسة مسألة فيها قدر من المغامرة وقد تضرّ بالاثنين».
وبحجة أن «الدين يحمي الأخلاق»، قال الغنوشي إن «حاجة الناس إلى الدين حاجة عميقة لاعتبار أهمية القيم والأخلاق في حياتهم»، مستنتجاً من ذلك أن «تحرير الدولة من الدين نوع من تحويل الدولة إلى عدد من المافيات، مثلما حدث في بعض الدول الأوروبية»، وذلك لأنه في غياب الدين «لا وازع آخر يمكن أن يحمي «الأخلاق».
ورفض الغنوشي أن تتحول تونس إلى دولة تعمل في نظام ثيوقراطي (دولة ذات طابع ديني)، مؤكداً أن «الإسلام منذ نشأ جمع بين الدين والدولة وبين الدين والسياسة، إلا أنه يجب الفصل بين ما هو سياسي وديني، أي بين فضاء العبادات وفضاء ممارسة السياسة». وأوضح أن «المقصد من الدين تحقيق العدل بإعمال العقل في ضوء توجيهات الدين»، مستنتجاً من ذلك أن لا تعارض بين مدنية الدولة ومشروع الدولة الإسلامية. واضاف «تونس دولة اسلامية، فلماذا نسعى إلى أسلمتها؟». وفي محاولة كسب ود الحركات السياسية المعارضة، اعتبر أن «العلمانية ليست إلحاداً، بل هي عبارة عن منظومة من الترتيبات الإجرائية الهادفة إلى ضمان الحرية».
وعن ظاهرة السلفية، لم يتردد الغنوشي في القول إن هؤلاء هم «ثمرة أفرزها النظام الديكتاتوري»، مضيفاً «أن كل مجتمع ديكتاتوري يفرز إشكاليات كهذه وثمرات فاسدة من هذا النوع، ولا بد بالتالي من الحوار مع السلفيين واحتضانهم للخروج من هذا التضارب».
ولعل هذا الخطاب الضبابي والمتناقض الذي تطرحه «النهضة» هو الذي جعل بعض منتقديه يتهمونها بأنها «حركة سلفية لا تختلف عن السلفيين الآخرين، بالرغم من أن هؤلاء أكثر وضوحاً وشفافية في خطابهم وممارساتهم، بخلاف ما تتسم به مواقف النهضة من تضارب وزئبقية تجعلانها حركة غامضة تثار حولها علامات استفهام»، كما قال المفكر المتخصص في الاسلاميات محمد الطالبي في مداخلة إذاعية.