تونس | أماطت عملية «بئر علي بن خليفة»، التي اعتقلت خلالها قوات الجيش التونسي جماعة متطرّفة جهادية، اللثام عن شبكات تهريب السلاح من ليبيا، حيث انتشرت كميات مجهولة من الأسلحة أثناء الثورة ضد نظام معمر القذافي، خصوصاً في منطقة «الجبل الغربي» المحاذية للحدود. فهذه المنطقة باتت «أكبر مخزن للسلاح في أفريقيا»، وفقاً لمصادر أمنية ليبية رفيعة تحدثت معها «الأخبار».


وبرز خطر «القاعدة» إلى الواجهة في تونس من خلال عمليتين نفّذهما عناصر منضوون في الفرع المغاربي لتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي». كانت الأولى تسلل مجموعة إرهابية إلى تونس من حدود الشمال الغربي مع الجزائر، وجرى التصدي لها من قبل قوات الأمن بعد التبليغ عنها من قبل مواطنين. ثم جاءت عملية «بئر علي»، التي تسللت الجماعة التي نفذتها من ليبيا، الأمر الذي يدلّ على وجود مخطط من قبل قيادة «القاعدة في المغرب الإسلامي» للمضي في إنشاء «خلايا نائمة» في تونس، وتخزين الأسلحة والذخائر، تمهيداً لفتح جبهات تمرّد مسلحة، على غرار ما يقوم به التنظيم في الجزائر وصحراء الساحل الأفريقي، من خلال استقطاب مجموعات من الشباب المنجذب نحو الفكر السلفي الجهادي وتدريبها. وبحسب تحريات وزارة الداخلية التونسية، فإن هذه المخططات تندرج ضمن استراتيجية تهدف لـ«إنشاء إمارة سلفية في تونس»، وتحيّن الفرص لذلك، وخصوصاً في ظل ما يتعرض له السلم الاجتماعي التونسي من هزّات بسبب مظاهر العنف الفكري بأشكاله المختلفة، والتي برزت إلى الواجهة مع تنامي نفوذ التيارات السلفية في الجامعات والأحياء الشعبية، بعد قيام الثورة، وسقوط القبضة الأمنية الحديدية التي لجمت هذه التيارات في عهد الديكتاتور المخلوع.
وقد سيطر الشباب السلفي على الشارع التونسي، وضاعف من الاستفزازات وأعمال العنف والتضييق على الحريات، خلال الأشهر الأخيرة. وفي مقابل ذلك، لوحظ غياب استراتيجية أمنية واضحة لمواجهة هذه الظاهرة. وكان لافتاً أن وزير الداخلية التونسي أكّد أن الموقوفين في «عملية بئر علي بن خليفة» هم من أصحاب السوابق في «قضايا إرهاب»، بعضهم أُطلق بعد انتهاء عقوبة السجن، لكنّ معظمهم أُفرج عنهم بموجب قانون العفو العام الذي أصدرته السلطات الجديدة لطيّ صفحة الماضي، وتصحيح الظلم الذي لحق بالكثير من المساجين بسبب المحاكمات غير المنصفة التي لفّقها لهم النظام السابق. لكنّ العفو العام شمل أيضاً عناصر متطرفة لم تتراجع عن فكرة العنف، أغلبها توجهت بعد الإفراج عنها إلى ليبيا للمشاركة في القتال ضدّ كتائب القذافي، ثم عادت إلى تونس، بعدما استفادت من التدريب وتزوّدت بالأسلحة.
وقد كشف وزير الداخلية التونسي عن ضبط كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر في عملية في «بئر علي بن خليفة»، ومبالغ نقدية فاقت 60 ألف دولار. حجم الأسلحة والمبالغ التي ضُبطت، بالرغم من أن الخلية التي جرى تفكيكها لم يتعدّ أفرادها 15 شخصاً، تظهر قوة الدعم المالي والعسكري التي يوليها «القاعدة في المغرب الإسلامي» لتأسيس شبكات في تونس. كذلك كشفت هذه العملية ازدهار عمليات تهريب الأسلحة عبر الطرق الملتوية في صحراء الجنوب التونسي وجباله.
وقال مصدر أمني تونسي رفيع المستوى التقته «الأخبار» إن الشبكة الجهادية التي كُشف عنها ليست سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد، وإن ما خفي أكبر وأخطر. وتابع المصدر قائلاً إن «الاشتباكات التي شهدتها منطقة بن علي بن خليفة أثبتت أن الجماعات الجهادية مدرّبة تدريباً جيداً على عمليات حرب المدن، وفنون الاشتباك والالتحام المباشر مع قوات الأمن». أما عن عمليات التهريب، فقال «لا يمكن حصر هذه الشبكات بسهولة. فبعضها يحصل عبر طرق ثانوية لا تمرّ عبر البوابات الحدودية المراقبة، ولكن لا نستبعد احتمال دخول أسلحة أخرى عبر البوابات الحدودية، ولم يجر كشفها بسبب الكثافة المرورية، وخاصة عند «معبر ذهيبة» الذي دخل منه منذ الثورة الليبية ما يناهز مليوني شخص». ولم يستبعد أن تكون مثل هذه الكثافة المرورية في المعابر الحدودية قد سهلت على شبكات التهريب إدخال الممنوعات، بما فيها الأسلحة. وبالرغم من هذه المؤشرات الخطيرة التي كُشف عنها، قلّل وزير الداخلية التونسي من خطورة هذه الظاهرة، وقال «نحن نتابع الموضوع بالجدية المطلوبة، لكننا لا نريد التهويل، ولا نتحدث إلا بالاستناد إلى وقائع وقرائن ملموسة». لكن هذه التطمينات لم تمنع بعض خصوم الحكومة النهضوية من اتهامها باستعمال الخطر الجهادي كـ«فزاعة أمنية»، مثلما كان يفعل نظام بن علي، للجم المعارضة وإسكات الحركات الاحتجاجية، وتطويل أمد العمل بقانون الطوارئ الذي قال الرئيس المنصف المرزوقي، في نهاية الأسبوع الماضي، إنه لن يرفع إلا بعد القضاء الكامل على الخطر السلفي.
وفي وقت جاهر فيه المرزوقي بالحديث عن الخطر السلفي، كان لافتاً أن وزير الداخلية النهضوي تفادى تسمية الجماعات المتطرفة التي جرى تفكيكها بالسلفيين الجهاديين، واكتفى بالقول إنها «عناصر متطرفة على علاقة بمجموعات ليبية مرتبطة بتنظيم القاعدة». وسعى في الوقت نفسه إلى تفادي إثارة حفيظة التيارات السلفية، قائلاً إن «المتدينين الإسلاميين، منهم المعتدلون والمتشددون. والمتشددون بدورهم عدة فرق، ومنهم من هو متشدد لكنه لا يفرض أفكاره على الآخرين بالعنف»، في إشارة إلى ما يسمّى «السلفية العلمية» التي تتبنّى المنهج الجهادي.
ورغم تطمينات الوزير العريض، فإن إشارات متعددة تؤكد أن نشاط الجماعات المرتبطة بـ«الجهاد العالمي» دخلت مرحلة جديدة، بعد استقوائها بالسلاح الليبي، وهي تتطلع لإقامة تحالفات مع مجموعات جهادية أخرى مغاربية وأفريقية، مثل تنظيم «القاعدة في المغرب الإسلامي» وجماعة «بوكو حرام» في نيجيريا. وهذه التحالفات الإقليمية ستوفر للجماعات الجهادية التونسية فرصاً أكبر للاستفادة من دعم مافيات التهريب وتجارة الممنوعات، على غرار ما هو قائم منذ سنين بين «القاعدة» وتلك الشبكات في الصحراء الأفريقية الكبرى.




معضلة السلاح الليبي


قال مصدر من «الغرفة الأمنية الليبية» لـ«الأخبار» إن مشكلة تهريب السلاح مسألة عويصة وشائكة في المنطقة. وأقرّ بأن «انتشار السلاح بدأ يتحول إلى وباء يهدد بنشر الخوف والرعب، ليس في ليبيا فحسب بل أيضاً في دول الجوار». وأكد أن «السلاح الذي انتشر في ليبيا خلال الثورة أصبح اليوم يستعمل لإمرار أجندات سياسية». ورأى أن مهمة نزع السلاح باتت أكثر تعقيداً، لأنها «لا تتعلق فقط باستعادة السلاح من الثوار، بل هناك انتشار مخيف لمافيات المتاجرة بالأسلحة. وهو ما يستلزم نشاطاً استخبارياً قوياً على الصعيد الإقليمي، وبالأخص في دول الجوار المغاربي». كلام المسؤول الليبي يعزز مخاوف العديد من الخبراء والمراقبين الذين حذروا من عواقب غياب استراتيجية إقليمية مشتركة للتصدي لخطر انتشار الأسلحة الليبية، خصوصاً في ظل مناخ عدم الاستقرار السياسي في ليبيا، ما يجعل السلطة الجديدة غير قادرة على ضبط الأوضاع الأمنية. وهو ما يوفّر أرضية مؤاتية للتيارات الجهادية التي تخطط لاستراتيجيات جديدة تلتف من خلالها على الحصار الأمني المفروض عليها من دول الساحل والصحراء، من خلال التغلغل في العمق المغاربي باتجاه المناطق الصحراوية الشاسعة في الأقاليم الجنوبية من ليبيا والجزائر وتونس.