القاهرة | «اتقِ الله» هو مفتاح معظم الدعاية السياسية في مصر حالياً ضد الإضراب العام المزمع تنظيمه اليوم بدعوة من أحزاب وقوى وتيارات سياسية، أبرزها «الاشتراكيون الثوريون» و«حركة شباب 6 أبريل»، تمهيداً لعصيان مدني شامل في البلاد حتى يترك المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة، ويُسلمها لإدارة مدنية منتخبة.


وأعلن الأزهر حرمة الانضمام إلى الإضراب صراحة، بينما حزب «الحرية والعدالة»، الذراع السياسية لجماعة «الإخوان المسلمين»، شدّد، على لسان رئيسه محمد مرسي، على أن «البلد لا يحتمل مزيداً من تعطيل الأوضاع والإضرابات»، وأشار إلى أهمية «الخروج من هذا الوضع المضطرب». كلام ترجمه خطباء الجمعة في المساجد الرئيسية الكبرى بالقاهرة وبمختلف المحافظات المصرية، إذ رأوا أن من يدعو إلى الإضراب «هم من المخربين المفسدين».
وقد رفض «الإخوان» الإضراب طبعاً، ودعوا منظميه، في تصريحات على لسان الأمين العام للجماعة، محمود حسين، إلى «اتقاء الله في البلد والشعب»، و«اتقاء الله في البلاد والعباد»، وفقاً لما تضمنه بيان دار الإفتاء المصرية الذي حرّم الإضراب هو الآخر.
إلى جانب هؤلاء، لم يفت قوى أخرى كـ«الدعوة السلفية» تحريم الإضراب طبعاً؛ إذ قال منسق الحركة في شمال الصعيد الشيخ عادل نصر، إن «الاستجابة للدعوة في الدخول بعصيان مدني وإضراب عام يوم السبت حرام شرعاً». لكن التحريم تطور ليصبح فتوى بضرورة إقامة «حدّ الحرابة» (بمثابة عقوبة الذين يحاربون الله) على الداعين إلى الإضراب العام، وفق محمد جويلي، أحد أقطاب «الدعوة السلفية» في منطقة مطروح.
وانضم إلى قائمة الرافضين للإضراب، حزب «النور»، أهم ممثل سياسي للتيار السلفي، الذي حاز ثاني أكبر نصيب من مقاعد مجلس الشعب بعد «الحرية والعدالة». كذلك كان موقف حزب «الأصالة» السلفي، الذي يتولى رئاسته عادل عبد المقصود، الضابط السابق في وزارة الداخلية، و«الجماعة الإسلامية» التي أصدرت بياناً أعلنت فيه موقفها، ورأت فيه أن الإضراب «مخطط لتحطيم ما بقي من اقتصاد مصري، وإشعال الفتنة في البلاد، وزيادة التوتر الأمني وأعمال البلطجة والنهب». وطالبت «الجماعة» المصريين بعدم الاستجابة لتلك الدعوات «كي نقف مع بلدنا في محنته».
ولم تكن الحرب على الإضراب حكراً على التيارات الدينية الإسلامية، بل امتدت إلى الكنيسة الأرثوذوكسية التي رأت، على لسان بطريرك الأقباط، البابا شنودة الثالث، أن الإضراب «ليس من الدين».
طبعاً، لا يمكن التقليل من تأثير الدعاية الدينية على المصريين، «أكثر شعوب العالم تديناً»، بحسب ما خلص إليه «معهد غالوب» الأميركي في استطلاع أجراه عام 2009. لكنّ مدى تأثير هذه الدعاية الدينية على الإضراب بالنسبة إلى المصريين قد يتغير وفق مدى صدقية الأطراف الداعية إلى المقاطعة؛ إذ إن معظم الأطراف الدينية تورطت في دعاية وفتاوى شبيهة ضد الثورة في أيامها الأولى قبل إطاحة الرئيس المخلوع حسني مبارك، وعدد كبير من رجال الدين ساهموا في الدعاية للنظام البائد قبل تهاويه، كالبابا شنودة الذي اعترف، في كانون الثاني 2010، بدعوة قساوسة كنيسته للأقباط إلى التصويت للحزب الوطني الحاكم في حينها، وكرر مراراً إشاداته بجمال مبارك كـ«شاب يصلح رئيساً للجمهورية». وكل ذلك كان في ذروة تسارع ترتيبات نظام مبارك في الإعداد لـ«مشروع التوريث» لتولي جمال رئاسة الجمهورية.
كذلك الأمر بالنسبة إلى شيخ الجامع الأزهر أحمد الطيب، الذي كان قد اضطر، تحت ضغط شعبي شديد، إلى الاستقالة من عضوية الحزب الوطني بعد توليه منصبه الديني في 2010، حتى إنه انتظر عودة مبارك في حينها من إحدى سفراته لـ«استئذانه» قبل تقديم استقالته، وهو الأمر الذي واجهته الثورة بدعوة الثوار إلى التظاهر في حدائق نائية هادئة. ووصلت الأمور بالطيب إلى حدّ أنه بشّر أسرة مبارك، في حوار تلفزيوني عام 2009، ببلوغ الجنة بعد وفاة حفيد مبارك، واصفاً جنازته بأنها أكثر جنازة «روحانية وسكينة». أما «الجماعة الإسلامية»، فقد سبق لها أن حرّمت الثورة والاعتصام في ميدان التحرير حتى سقوط مبارك، بحجة أن «الاختلاط حرام شرعاً، وفي الميدان يوجد رجال ونساء».
لكن الأمر طبعاً ليس حكراً على التيارات الدينية، فحزب «الوفد الجديد» مثلاً، اتخذ موقفاً مشابهاً ضد الإضراب، حين شدد على أنه «سيسبب انهيار اقتصاد البلاد ولن يفيد في شيء، لكن العصيان المدني مقبول في دولة مثل سوريا وليس هناك حل لديهم سوى ذلك لوقوف الجيش مع السلطة». وكان رئيس الحزب، السيد البدوي، أحد المقربين من دائرة الحكم في النظام القديم، وكان واحداً ممن تفاوضوا أثناء الثورة الأولى مع نائب الرئيس المخلوع عمر سليمان.
من جهة أخرى، بدا أن مؤسسات الدولة القديمة تنتفض للذود عن نفسها؛ فقد تسارعت وتيرة بيانات العاملين فيها، للتشديد على نفي مشاركتهم في الاضراب. على سبيل المثال، أصدرت وزارة النقل المصرية بياناً قالت فيه، على لسان الوزير جلال السعيد، إن موظفي الوزارة يرفضون المشاركة في الإضراب والاعتصام المدني في 11 شباط الجاري. وادّعى الوزير السعيد أن العمال أرسلوا إليه خطاباً أكدوا فيه «رفضهم القاطع للمشاركة في العصيان المدني، حرصاً منهم على عدم تعطيل سير العمل وتغليب المصلحة العامة، ودفع عجلة الإنتاج إلى الأمام في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد». وفي السياق، أشار محافظ القاهرة إلى أن عمال شركتي المياه والصرف الصحي في العاصمة، أخبروه بأنهم لن يشاركوا في الإضراب ولا في العصيان المدني، «حرصاً على البلاد وإصراراً منهم على زيادة الإنتاج والعمل».