صنعاء | اكتملت دائرة ثورة الشباب اليمنية وصار عُمرها عاماً كاملاً. عام من الخروج إلى الشارع والهتاف والاعتصام في الشوارع والساحات ذاتها. سال دم كثير وانطلق رصاص نظام صالح كثيراً ليحصد أرواح شباب كثر لا تزال صورهم معلقة على جدران «ساحة التغيير» التي صارت، في خلال عام، بمثابة مدينة داخل مدينة. لكن مع ذلك لم يعرف اليأس طريقاً إلى قلوب المحتجين، على الرغم من أن معركتهم مع بقايا النظام وداعميه ستكون طويلة.

بعد مرور عام على الثورة، يبدو المشهد اليمني الآن مفتوحاً على احتمالات كثيرة، يبقى معظمها على الصعيد الداخلي ممسوكاً في قبضة الجماعات الإسلامية على تعدادها وتوجهاتها المذهبية التي تنعكس على شكل التعاملات في ما بينها، وبين الاتجاهات الفكرية الأخرى التي لا تتكئ كاملاً على أي ثقافة مدعّمة بأفكار دينية، لكنها لم تكن تجرؤ على إظهار أفكارها علناً بسبب احتمال تعرضها للأذية من الجماعات الإسلامية. وهي الجماعات التي كانت بدورها تحت تصرف علي عبد الله صالح، الذي خوَّف العالم بأن يغرق اليمن في الفوضى وسيطرة جماعة القاعدة، التي كان هو نفسه يستخدمها لتخويف العالم. كان يقول لهم: «أنا أو القاعدة. إذا رحلت أنا، فمن سيوقف زحف القاعدة؟»، على الرغم من أنهم يعلمون أنه من يقوم برعاية أفراد هذه الجماعة الإرهابية ويقوم بحمايتهم، لاستخدامهم فزاعةً للغرب عند اللزوم.
وإلى جانب أدوات النظام وألاعيبه، كان على المحتجين طوال عام كامل، وسيبقى عليهم، مواجهة ورقة إضافية يتكئ عليها نظام صالح في مواجهتهم، هي السعودية، البلد المجاور لليمن. فأمراء المملكة لم يكونوا مرتاحين لوجود ثورة تهدد مصالحهم في اليمن، لأن الجيل المقبل لن يسمح باستمرار سيطرة هؤلاء الأمراء على سياسة اليمن وتحكمهم في مصيره بتواطئ من صالح. لقد حاربت السعودية كل الثورات العربية، وكان من الضروري أن تحاربها في اليمن أيضاً نتيجة خشيتها من احتمالات أن تمتد هذه الثورة إلى أراضيها.
أما صالح، فكان وسط كل هذا، يبدو دائماً أنه ينطلق من ثأر شخصي يريد أن يصفيه، وأن لديه مشكلة نفسية عميقة تجعله يقوم بتلك الأعمال غير العقلانية ليظهر عدوانياً تجاه الجميع وتجاه اليمن، منحازاً إلى الفساد، محتقراً التعليم ومتعمداً تدمير كل مظاهر المدنية. كذلك كانت غالبية قراراته لا تقول بغير رغبته في تدمير وإفساد كل شيء في هذا البلد وتحويله إلى أنقاض، وبينها تعمده اختيار أشخاص جهلة فاسدين لتولي مناصب قيادية كبيرة، وخصوصاً في الجهات الأكاديمية والجامعات. كان هدفه تدمير التعليم عموماً، وهو ما نجح في تحقيقه. لعله كان يفعل كل هذا مدفوعاً بعقدة داخله لم يستطع التخلص منها، تنطلق أولًا من أنه لم يستطع إكمال تعليمه الدراسي، وثانياً لكونه ينحدر من طبقة قبلية تقع في أدنى المراتب الاجتماعية في قبيلته، متناسياً أن هناك كثيرين ينحدرون من طبقات فقيرة للغاية، لكنهم نجحوا في الارتقاء بأنفسهم والوصول إلى مستوى حياتي جيد، من غير أن تتمكن منهم تلك العقدة الاجتماعية وتدفعهم إلى الانتقام من الآخرين ومن المجتمع.
وكان من البديهي أن يترتب على هذه الأفعال التدميرية المتعمدة في بنية الثقافة اليمنية، وأن تتشكل حالة من الخراب على أكثر من مستوى، لعل أهمها تآكل البنية الثقافية التحتية التي يمكن الاشتغال عليها بعد التخلص من نظام صالح، وهو الأمر الذي بات وشيكاً بعدما أذعن الرئيس اليمني بعد مماطلة طويلة لتوقيع المبادرة الخليجية التي تجعله رئيساً من غير صلاحيات وتمهد الطريق لإعلان تنحيه التام عن السلطة بعد فترة حكم استمرت ثلاثة وثلاثين عاماً.
كان لا بد من نهاية أو ردة فعل تجاه كل هذا الفساد والظلم الذي فعله ويفعله صالح وعائلته في اليمن واليمنيين لاعتقاده أنهم صاروا ملكية شخصية له ويرغب في توريثهم لنجله أحمد.
يقول الناشط أحمد البيلي، في حديث مع «الأخبار»، إنه لم يكن من المعقول أو المنطقي أن تستمر حياة اليمنيين في تدهورها وهم ينظرون إليها بصمت وجمود.
لذلك، فقد بدأت الشكوى تتصاعد أكثر فأكثر، والتذمر صار على كل لسان، والخوف من المستقبل المظلم الذي صار ينتظر الجميع، فهذا الرئيس لم يعد يأبه بشيء أو يكترث بأحد. لقد أصبح معتقداً أنه قد صار إلهاً ولا أحد يستطيع الوقوف أمام الإله.
لكن ظهر أن الكأس قد صارت ممتلئة تماماً ولم يعد يبقى غير سقوط القطرة الأخيرة كي تفيض بالغضب الذي تحتويه، وقد كان. وبحسب الكاتب يحيى صالح، إن خروج الشباب قبل عام ليهتفوا مباشرة: «الشعب يريد إسقاط الرئيس والنظام»، جاء وفقاً لما أكده لـ«الأخبار» لأنهم «أدركوا أن لا فائدة من مطالبة صالح بإصلاحات وقد صار مدمناً الفساد ولم يعد قادراً على التخلص والشفاء منه».
ومن خلال تمسك المحتجين بعد عام على اندلاع ثورتهم بمطلب إسقاط النظام ومواصلة اعتصاماتهم، متحدين العراقيل الداخلية والخارجية، يمكن القول إن ما عايشه اليمن طوال الأشهر الماضية سيسهم في تحقيق تغييرات إضافية تتعدى خروج صالح من السلطة، أو تذهب على الأقل لجهة تغيير النمط التفكيري الذي كرسه نظام علي عبد الله صالح. فمن يستطيع امتلاك القدرة على تغيير ديكتاتور مثل الرئيس اليمني قادر على تحقيق ما هو أكبر من ذلك وأبعد منه. وبالتالي يصبح الحديث عن تغيير نظرة اليمنيين إلى الثقافة وإلى كل شيء متعلق بها مهمة في متناول اليد أمام الجيل الذي سيُمسك بمقاليد الشأن الثقافي في البلاد، بعدما بات الأمل في إمكان التغيير في البلاد، وبفعل الثورة، واقعاً معيشاً ليضع حداً لتكهنات البعض الذي كان يراهن على استحالة حدوث أي تغيير في اليمن بحجة أن أهله قد تأقلموا على حياة الاستكانة والرضى بالحال التي يقيمون فيها.