الجزائر | أصدرت وزارة الداخلية الجزائرية تعليمات إلى المسؤولين الاداريين والأمنيين على مختلف المستويات بانتهاج طرق تعامل جديدة مع الاحتجاجات. وشدّدت التعليمات، التي وصلت قبل أيام الى كل الدوائر الأمنية والإدارية، على تجنب استعمال القوة قدر الإمكان، واستباق الحدث بتفريق المحتجين مبكراً قبل تكوّن الحشود والتجمعات الكبيرة، واحتلال مواقع التجمعات وإغراقها بأعداد كبيرة من رجال الامن. ووفقاً لهذه التقنيات المبتكرة، التي عكفت على تطويرها فرق متخصصة من الباحثين في الأجهزة الأمنية الجزائرية، يقوم رجال الامن بتضييق الخناق على المحتجين، ويسعون إلى حصر المتجمعين في أماكن ضيقة، ثم يخترقون صفوفهم من أجل «تقطيع أصوال المجموعات الأكثر فاعلية، لمنعها من التواصل مع الآخرين، وتشكيل الثقل الكافي للبروز وجر فلول المتظاهرين وراءها». وكانت شرطة مكافحة الشغب قد جرّبت هذه التقنية في العاصمة الجزائر، مطلع العام الماضي، حين حاولت بعض الأحزاب والجمعيات تنظيم مسيرات واعتصامات في الساحات العامة للمطالبة برحيل النظام.

ومن بين التوجيهات الأمنية التي تضمنتها هذه التقنيات الجديدة، التركيز على عنصر «الاحتكاك عن قرب»، من أجل «تقليص هامش الحركة المتاح للمحتجين، من دون الحاجة إلى قنابل الغاز المسيل للدموع أو إلى المطاردات التي قد تسفر عن مواجهات وحدواث عنف». وتوصي التوجيهات بإغراق الشوارع المحيطة بأماكن التجمع بقوات الأمن، لعرقلة تدفق المتظاهرين إليها. وهذا الأسلوب سيعمّم على كل مدن البلاد التي تشهد حراكاً شعبياً (شهدت الجزائر في العام الماضي أكثر من 10 آلاف حركة احتجاجية في مختلف المقاطعات)، وذلك من خلال تكوين المزيد من رجال الأمن على «تقنيات الاحتكاك السلس».
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها «الأخبار»، فإن المديرية العامة للأمن الوطني دعّمت التعليمات الصادرة عن وزارة الداخلية بشروح مفصلة عممتها على أقسامها في مختلف الولايات والمناطق، وأصدرت أوامر صارمة إلى ضباطها وكوادرها الميدانية لتحمل مسؤولية تنفيذ هذه الاستراتيجية الأمنية الجديدة. وكان خبراء أمنيون جزائريون قد عكفوا، على مدى عام كامل، على دراسة مختلف أشكال العصيان والتجمهر والحراك الشعبي السلمي، وأنجزوا دراسة وافية تنادي بتقليص احتمالات اللجوء إلى «العنف التقليدي» تجاه المتظاهرين، وابتكار أساليب وتقنيات جديدة لكسر طاقات المحتجين والحد من التأثير على المحيط الاجتماعي، وبالتالي تفادي تفاقم الأحداث، لتكبر مثل كرة الثلج، مما يهدد بأن تتحول الاحتجاجات المحلية إلى حراك شعبي شامل يهدد أمن النظام القائم.
وتعتمد هذه التقنيات الأمنية الجديدة على تعويم الساحة بأعداد هائلة من أفراد الشرطة والأمن. وخلال تظاهرات شباط وآذار من العام الماضي، شهدت ساحة أول ايار، التي تعد منذ استقلال البلاد الفضاء الأثير للحركات الاحتجاجية، في قلب العاصمة الجزائرية، إنزالاً أمنياً ضخماً فاق الـ40 ألف شرطي. وشكّل ذلك مظهراً استعراضياً غير مسبوق، ومناسبة لتجريب فاعلية تقنيات «الاحتكاك السلس». وتابع سكان العاصمة من شرفات العمارات كيف انتشر الآلاف من رجال الشرطة وسط المتظاهرين، من دون اللجوء إلى أساليب العنف التقليدي التي تستعمل لتفريق المتظاهرين، بل اكتفوا بالانتشار وسطهم وتقسيمهم إلى كتل صغيرة غير مؤثرة ولا تواصل بينها!
وربطت الأوساط السياسية والإعلامية الجزائرية التعليمات الأمنية الجديدة بالتحضيرات الجارية للانتخابات التشريعية المقررة في شهر أيار المقبل. وسبق أن أصدر الرئيس بوتفليقة أوامر بتوفير كل شروط الأمن وسلامة العملية الانتخابية، والعمل على نزع فتيل الاحتقان الاجتماعي .وأكد الرئيس بوتفليقة أخيراً في خطاب أمام مجلس الوزراء أن السلم المدني شرط أساسي لاجتياز الاستحقاق الانتخابي، وتجاوز هذه المرحلة الحساسة الحالية.