إلى جانب الإطلالة المتوقعة للرئيس السوري بشار الأسد خلال الساعات المقبلة، والتي يُفترض أن تتمحور حول الملفات الحكومية وفي مقدمها الحكومة العتيدة المطعمة وسلوك الأجهزة الأمنية والعسكرية، من المقرر أن يلتقي خلال الاسبوعين المقبلين بقادة الفصائل الفلسطينية المقيمة في دمشق، وأن يشارك في القمة العربية المقررة في بغداد في آذار المقبل، على ما تفيد مصادر إقليمية قريبة من دمشق.

ويُفترض بهذه المشاركة الأخيرة أن تكون مفصلية، باعتبارها ستكون فرصة لعودة العرب إلى سوريا، خصوصاً أن مكان انعقاد القمة صدف أنه بغداد التي أثبتت بالدليل القاطع أنها حليف استراتيجي لدمشق. ومما يعزز من ملاءمة هذه المناسبة للأسد، أن القمة ستشهد مشاركة إيرانية رفيعة المستوى، يرجح ان تكون على مستوى الرئاسة الإيرانية. ويجري التداول حالياً في أفضلية قيام شخصية إيرانية رفيعة المستوى، الرئيس محمود أحمدي نجاد أو وزير الخارجية علي اكبر صالحي، بزيارة دمشق قبل القمة، فتكون رسالة دعم ورافعة للرئيس الأسد لا لبس فيها، أو بعد القمة فتأتي تتويجاً لما سيحققه الأسد فيها.
وبالنسبة إلى استقبال قادة الفصائل، فالغاية منه مزدوجة: الأولى، إعلان عودة الحيوية السورية إلى الساحة العربية من دون التخلي عن أي من ثوابت دمشق، وذلك عبر العنوان الأبرز لهذه الساحة وهو القضية الفلسطينية. أما الغاية الثانية فيفترض أن تكون مصالحة الأسد لرئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل، لكن ليس عبر لقاء ثنائي بل عبر استقبال الأسد لأبو الوليد ضمن مجموعة من القادة الفلسطينيين، على ما تفيد المصادر نفسها.
أما وقد ظهر خلاف «حماس» مع دمشق إلى العلن، وتكشف الكثير من فصوله، فيبدو مناسباً مراجعة الحكاية من البداية لردم بعض الثغر فيها:
لمّا وصلت الاضطرابات إلى درعا وما بعدها، وتعامل معها النظام السوري بالطريقة التي فعل، وجد خالد مشعل، الذي حذر منذ انتفاضة تونس من انتقال الاضطرابات إلى سوريا، أن اللجوء إلى الأمين العام حسن نصر الله بات أمراً واجباً، على قاعدة أنه «الوحيد الذي يستمع له الرئيس الأسد»، على ما تفيد مصادر وثيقة الاطلاع. طلب أبو الوليد من نصر الله العمل على إقناع الأسد بضرورة بث جرعة من الاصلاحات قبل أن تتفاقم الأمور وتتدحرج ككرة الثلج. وقتها، استجاب نصر الله الذي التقى بالأسد يوم السبت الذي سبق خطاب الرئيس السوري أمام البرلمان. وتقول المصادر إن «من خلاصات لقاء مشعل نصر الله كانت توافقاً على أن تشمّر حماس عن ساعديها وتلقي بثقلها خلف النظام في الأماكن حيث لها مونة، وخاصة في ريف دمشق»، في مقابل «خطاب إصلاحي شامل كان يعتزم الأسد الادلاء به في تلك المناسبة».
بدأت «حماس» اتصالاتها بشيوخ المساجد والشخصيات القريبة من مناخ «الإخوان». بل اتصلت بقيادات الجماعة، وبينهم المراقب العام السابق صدر الدين البيانوني. كانت تشرح لهؤلاء الدور الذي أداه النظام السوري، ولا يزال، في دعم الحركة سياسياً وإعلامياً ومادياً وعسكرياً. بل تقول المصادر إن «البيانوني لما سمع من قادة حماس ما يفعله الأسد لدعم الحركة قال لهم: والله لو كنت أنا في موقع الرئاسة لما فعلت لكم نصف ما يفعله الأسد».
لكن سرعان ما وقعت الوقيعة بين الجانبين؛ فمع تزايد سفك الدماء في سوريا، طلب وزير الخارجية السوري وليد المعلم من مشعل إصدار بيان إدانة لما يجري مع دعم للنظام. عقد قادة «حماس» اجتماعاً تشاورياً لصوغ البيان، استمر لأكثر من 13 ساعة، «زينت الكلمات فيه بميزان من ذهب». جاء البيان مؤيداً للحراك الشعبي وفي الوقت نفسه داعماً لسوريا المقاومة. لم يكن على مستوى توقعات القيادة السورية التي أعربت عن امتعاضها، مطالبة بإصدار بيان جديد. لكن مشعل، وبحسب المصادر نفسها، رفض تحت عنوان أن «هذا أقصى ما يمكن الحركة أن تقدمه».
حادثة أخرى وسّعت الهوة بين الطرفين، كانت يوم شن الداعية الإسلامي يوسف القرضاوي هجوماً على النظام السوري. كانت القيادة في دمشق تتوقع أن تتصدى «حماس» لهذه الهجمة، انطلاقاً من مجموعة من المعطيات، أقلها رد بعض الجميل السوري. لم تحرك قيادة «حماس» ساكناً، علناً على الأقل، ما تسبب في حال من الاستياء لدى السلطات السورية التي طلبت من الحركة الفلسطينية التوقف عن كل نشاط داعم للنظام تحت عنوان «أننا لسنا بحاجة لشيء».
مصادر قيادية في «حماس» تؤكد أنه ما كان بإمكانها مساجلة القرضاوي عبر وسائل الإعلام، وتضيف أن مشعل اتصل بالداعية الإسلامي هاتفياً ولامه على ما فعل بعدما أوضح له الخلفية التي تنطلق منها «حماس» في دعمها للأسد. كذلك أرسل أبو الوليد موفدَين من قيادة «حماس» إلى القرضاوي في الدوحة للتفاهم معه على بعض النقاط المتعلقة بالنظام السوري، على ما تفيد المصادر.
مع إطلالة أيلول، شعر مشعل بأن اللجوء إلى السيد نصر الله بات ملحّاً من جديد، بعدما بات واضحاً بالنسبة إلى الحركة أن الأسد متمسك برفضه استقبال مشعل، وأن «عتبه على حماس شديد جداً، أكبر بكثير مما كان متوقعاً». حضر وفد من قادة «حماس» إلى لبنان، والتقوا نصر الله الذي وضعوه في صورة ما يجري وشرحوا له وجهة نظرهم وطلبوا منه العمل على عقد قمة ثلاثية تجمعه بمشعل والرئيس الأسد.
مضت أسابيع ولم يحصل شيء. إلى أن أقر لقاء جديد بين مشعل وبين الرئيس الفلسطيني محمود عباس في القاهرة في 24 تشرين الثاني. وقتها، طلب مشعل لقاءً علنياً مصوراً بالأسد قبل توجهه إلى العاصمة المصرية لكي لا تفسر خطوته تلك في خارج سياقها، على غرار ما حصل في اللقاء الذي جمع الزعيمين الفلسطينيين في 3 حزيران الماضي. كان الجواب السوري بالرفض. تدخلت الوساطات، وإحداها إيرانية، لكنها لم تفلح في جمع ابو الوليد بالأسد ثنائياً، فكان اللقاء المقرر مع قادة الفصائل.




«رفاق الخندق الواحد»

مصادر قيادية في «حماس» تؤكد أن الاختلاف في وجهات النظر مع القيادة السورية، ومنذ اليوم الأول، كان «اختلافاً في وجهات النظر بين حليفين حريصين على بعضهما البعض»، مضيفة «كنا حريصين على إيضاح وجهة نظرنا في إطار مكاشفة بين رفاق الخندق الواحد»، مشيرة إلى أن الحركة «لا تزال ملتزمة قرار السلطات السورية وقف حراكها داخل سوريا».
وتقول المصادر إنه في أوج سوء التفاهم، لم تنقطع الاتصالات بين الجانبين، مشيرة إلى أنه باستثناء الرئيس الأسد، لم يغلق أحد الأبواب في وجه مسؤولي الحركة. وتضيف «كانت معظم الاتصالات تحصل مع رئيس جهاز الاستخبارات اللواء علي المملوك ومع نائب وزير الدفاع اللواء آصف شوكت»، وذلك مذ جرت المصالحة بينهما وبين مشعل أواخر آب الماضي.
وتشدد المصادر نفسها على أن النظام السوري، خلال فترة الخلاف، كان أكثر حرصاً على أمن قادة «حماس»، وهو ما تم التعبير عنه بزيادة إجراءات الحماية والأمن في مقار الحركة وحول قادتها، مشيرة إلى أن «العائلات الحمساوية التي غادرت سوريا خلال الأسابيع الماضية، إنما فعلت هذا لأسباب أمنية، أو لأن سوء التفاهم مه النظام عطّل عملها منذ أشهر، وفي النهاية لا بد من استئنافه».