فادي عاصلة

يحمل الجيل الثالث من دروز فلسطين وعياً سياسياً لافتاً للنظر ومتميزاً في خطابه وآليات اشتغاله، الأمر الذي بات يؤرق العديد من ساسة إسرائيل. يستيقظ هذا الجيل على قرى غارقة في الفقر، وعلى مستقبل مشوب بالخطر وخالٍ من الوعود التي تروج لها الدولة. وتعاني القرى الدرزية الفقر ومصادرة الأراضي، وخفض الميزانيات، كما أن الجيل الجديد لم يستطع أن يغض النظر عن مجمل الحالة الفلسطينية. فالظروف التي أنتجت الوعي الفلسطيني الجديد تمس مباشرة الشباب الدرزي، الذي رأى أن له امتيازات إعلامية فقط، أما على أرض الواقع، فمصيره جزء من مصير الشباب الفلسطيني.
تبدو معركة الشباب الدرزي الرافض للخدمة الإلزامية في الجيش الإسرائيلي مفتوحة على عدة جبهات كلها موجعة. في المقام الأول القبضة الأمنية الإسرائيلية، وقبضة القيادة الدينية ممثلة في الشيخ موفق طريف الروحية، والقيادات التقليدية الملتحقة بالأحزاب الصهيونية، مع ميل متصاعد الى اليمين المتطرف، اضافة الى ضعف وترهل الاحزاب اليسارية والقومية العربية، وصعود التيار الاسلامي المتشدد في الوسط العربي داخل إسرائيل.
ويشارك عدد من الشباب الدروز في كل التحركات التي تشهدها أراضي عام 1948، على خلفية مشاريع مصادرة الأراضي، مدفوعاً بصحوة شعبية تؤكد فلسطينية الهوية الدرزية كجزء من الهوية الفلسطينية الجامعة لا خارجها، وهكذا يستمر عدد من الشبان الدروز في رفض الخدمة العسكرية، وانتقلت حركة رفض الخدمة من الإطار الفردي إلى إنشاء مجموعة تطلق على نفسها تسمية «الحراك الشبابي لرفض الخدمة الإلزامية».
تأسس هذا الحراك الشبابي عام 2009، وكان رافضو الخدمة العسكرية يتخوفون من تحول قضيتهم الى قضية شعبية كي لا يتعرضوا لضغوط اجتماعية وأمنية، لكن الأمر تغير بعدما قرر العديد من الشباب الدروز رفض الخدمة العسكرية واعلانها مدوية أمام أجهزة الأعلام.
الحراك مكون من نشطاء من خلفيات اجتماعية ودينية مختلفة، ويسعى إلى توعية الشباب الدرزي إلى هويتهم الفلسطينية وامتدادهم العروبي، وضرورة مواجهة قانون الخدمة العسكرية، إضافة إلى توفير خدمة قانونية ومرافعات للشباب الرافضين ثم متابعة ملفاتهم وزيارتهم في المعتقل، والتواصل مع أهلهم وذويهم، كذلك ينظم الحراك تظاهرات ووقفات احتجاجية مستمرة أمام المعتقلات والسجون الأمنية الإسرائيلية.
يقول الناشط الحقوقي والمحامي يامن زيدان: «من ميزات الحراك الحالي انه غير محزب، ويركز على هدف إسقاط الخدمة العسكرية الإلزامية، لا تقديم رصيد لأي حزب». ويضيف زيدان «نحن نمر بمرحلة مميزة، فهناك جيل بات يفكر بطريقة جديدة، بغض النظر عن التوجهات الوطنية النابعة من حالة وعي متصاعد، فهناك أيضاً جيل يرى أنه حتى على صعيد مصلحي، لم يستفد الدروز من كل قضية الخدمة العسكرية سوى سلخهم عن شعبهم، وجرى استغلالهم لتحقيق مصالح لم يكن لهم فيها أي فائدة». وحول علاقة الشباب الدروز بفلسطينيي الداخل يقول زيدان «نحن بحاجة إلى رفع الوعي بوضعية الدروز وإعادة بناء أطر اجتماعية جديدة تكون قادرة على دمج الشباب الدروز ضمن النسيج الاجتماعي الفلسطيني». ويرى زيدان أن «بناء نسيج اجتماعي فلسطيني يكون الدروز جزءاً منه أمر تراه المؤسسة الإسرائيلية أشد خطراً من رفع السلاح».
بدورها تؤكد الناشطة ميسان حمدان ان «الحراك الشبابي هو خروج عن نهج الخضوع السائد ورفض للمهادنه، وبالتالي فهو شبابي، لأن المجندين والمستهدفين من قبل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية هم الشباب الدروز، وبالتالي كان على الحراك أن يكون شبابياً».
وتقول حمدان «إن الحراك الشبابي يقدم استشارات على نحو دائم ومستمر للكثيرين، والأفق ينذر بحالة تغيير جذري سيمر بها وعي الفلسطينيين الدروز، وهو ما يتطلب منا مسؤولية عالية».
عمر زهر الدين ابن الـ 17 ربيعاً رفض الخدمة العسكرية، وذهب إلى معتقله وهو يلبس سترة كُتب عليها «برافر لن يمر»، في اشارة الى رفض مخطط برافر العنصري الذي تسعى المؤسسة الإسرائيلية من خلاله إلى مصادرة 800 ألف دونم من أراضي فلسطينيي النقب، إضافة إلى هدم أكثر من 30 قرية وتهجير 70 ألفاً من بدو فلسطين.
رسالة زهر الدين كانت واضحة، «لن أكون وقودا لنار حربكم، ولن أكون جنديا في جيشكم (...) أنا موسيقي أعزف على آلة «الفيولا»، عزفت في عدة أماكن، لديّ أصدقاء موسيقيون من رام الله، أريحا، القدس، الخليل، نابلس، جنين، شفاعمرو، عيلبون، روما، أثينا، عمان، بيروت، دمشق، أوسلو، وجميعنا نعزف للحرية، للإنسانية وللسلام، سلاحنا الموسيقى ولن يكون لنا سلاح آخر».
وأضاف عمر:»أنا من طائفة ظُلمت بقانون ظالم، فكيف يمكن أن نحارب أقرباءنا في فلسطين، سوريا، الأردن، ولبنان؟ كيف يمكن أن أحمل السلاح ضد إخوتي وأبناء شعبي في فلسطين؟ كيف يمكن أن أكون جنديا يعمل على حاجز قلنديا أو أي حاجز احتلاليّ آخر، وأنا مَن جرّب ظلم الحواجز؟».
سيف أبو سيف شاب آخر رفض الخدمة العسكرية في صفوف جيش الاحتلال، فاعتُقل أربعة أيام في أوج العاصفة الثلجية التي شهدتها البلاد، ثم نقل إلى العزل الانفرادي في ظروف غير إنسانية، حيث تتسرب المياه إلى أرضية الزنزانة، والشباك مفتوح طيلة الوقت تمر عبره ريح باردة جداً ودون أغطية كافية تقيه صقيع الشتاء.
ظروف الاعتقال القاسية لم تُثنِ سيف عن موقفه، حيث يقول في حديث يوجهه إلى الشباب الدروز: «شهران او ثلاثة اشهر من السجن لا تساوي شيئا مقابل إسقاط قانون التجنيد، مقابل ان تعيش الأجيال القادمة بحرية وكرامة». ويضيف أبو سيف «عندما اخرج من السجن سوف التحق مع الصبايا والشباب بمجموعة «مناهضة الخدمة الإجبارية» لنعمل معا على توعية ابناء شعبنا وإلغاء القانون .. لقد أخبرتهم أني أرفض الخدمة في جيش احتلال، ورفعت صوتي لكي يسمعني كل شاب درزي ما زال متردداً».