حسان سلايمة

الشعر ليس بريئا ولا تحرسه الملائكة ربما، لكنه ليس شيطانيا كما فعل السياسة. ومابين لوثة الحب في الشعر، ولوثة الشيطان في السياسة، ثمة تضادات كثيرة قد لا يقولها الواقع أو لا يحتمل أثقالها. فحين يكتب شاعر فلسطيني قصيدة عن «شهيدة العودة» إيناس شريتح، يأخذنا إلى لحظة انطلاقها نحو أرض مجدل شمس في الجولان فيراها «(...) بكلتا اليدين/ وإيناس تغري ظلال السماء على ركبتيها/ فتقفز نجما وحلما وحبا/ وما بين بين/». يقودني تخيل الصورة مباشرة إلى أثر الشعر في الوجود كما في الكتابة، وكيف يحرر الدواخل حتى تطيعه إلى آخر خلجاتها، بينما يحيلك الخطاب السياسي الفلسطيني المتكرر، إلى العطب ذاته الذي سوقته البنية المتهالكة لفصائل قد لا يصح فيها أكثر من قولة «عظم الله أجركم»!

فصائل لم تتفق إلا على تسويق روايتها المخاتلة، أمام صدمة شعبها من جسامة الأحداث التي يعيشها، ومن مهارة الالتفاف على الخيبات وتلبيسها أقنعة لفظية عافتها النفوس والعقول.
قد يكون أنموذج إيناس رغم التباسات المراد من الحدث حينذاك، هو الذي يقول بوضوح ما هي بوصلة الفلسطيني في حالة الإرباك التي أجبرنا على دخولها بشعارات مختلفة. إذ يحيل استشهاد إيناس في مسيرة العودة في حزيران العام 2011، إلى معنى للحرية، قد لا يتقاطع مع رحيل أمها بعد سنة فقط في حي التقدم، احدى ضواحي مخيم اليرموك، بقذيفة هاون لم يطلقها العدو الاسرائيلي، إنما جهة يفترض أنها معادية له. بل وأذاقت مواطنىها العلقم تحت عناوين ذلك العداء.
والحرية هنا فعل مضمر ومفترض يقول في الحالتين طموحا قد لا يتحقق في صورته الناجزة. فبين المواجهتين التباسات قد لا يكون أولها أو آخرها اختيار ساحة الموت أو العناوين المفترضة للمواجهة الحقيقية.
فلحظة ايناس لا شك أنها اختصار لتطلع معظم الشباب الفلسطيني في اثبات هوية تحتاج باستمرار إلى الدم لتأكيد وجودها. كأنما قدرها السير الدائم إلى جبل سيزيفي المبنى والمعنى معا، بينما لحظة أمها الخارجة عن اختيارها، أو حتى تصديق حدوثها، ساوت ما بين موتين يذهبان باتجاهين مختلفين، لكن باسم واحد أو تحت شعار واحد هو «الحرية».
وما بين اللحظتين، ثمة اسئلة كثيرة وجدالات لم تحسم في الحالة الفلسطينية. خاصة، وأن حصار الاحتلال على الأهل في الجولان، لا يبتعد في راهنيته على الأقل عن حصار مخيم إيناس وموت أهله جوعا وقصفا وبردا،. وقد يكون ثمة من لا يعقد مقارنة كهذه بالأصل بين الحصارين، انطلاقا من خندقه السياسي المنقسم فلسطينيا تبعا لانقسامه السوري، أو حتى انقسام الفلسطيني ذاته بين قطبين يدعيان تمثيله والتعبير عن هويته. هكذا يبدو الفلسطيني متشظيا في حياديته كما في منافيه وهجراته المتناسلة، كأنما حضوره في مشهد الزلزال بالمنطقة يقتصر على إعادة إنتاج مرآته كضحية تسعى كل الأطراف إلى توظيفها وفقا لاستهدافاتها ومصالحها. ولإيناس كما لكل الشهداء الفلسطينيين ذلك التوق الذي يتجاوز الخندقة السياسية لسؤال مغاير: من يمثل الشهداء الآن؟ ليست إيناس كل البلاغة في تراجيديا الدم الفلسطيني، بل هي الفعل الطيب الحالم بالحرية والعودة بكل عفويته وبساطته. واستشهاد والدتها يضيف إلى صفاء المرآة وجعا، أقسى وأمضّ في التزاوج بين قاتلين يفترض انهما نقيضين.
هكذا يصبح معنى الفلسطيني غير ممكن محوه في ذاكرة المتطلعين إلى الحياة والمتشبثين بلوثة الحب أمام أبلسة السياسة وثعالبها الماكرة.