القاهرة | تصلح عبارة «أراح القرضاوي واستراح» مدخلاً جيداً لفهم الأثر الذي أحدثته استقالة رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي من عضوية هيئة كبار العلماء في الأزهر قبل يومين.

فالرجل أراح ضميره كما فهم مراقبون من رسالته، وأراح الأزهر من عبء مخالفته لتوجهات المشيخة، وعدم قدرتها على اتخاذ إجراء في حق قامة بحجم القرضاوي.
الاستقالة جاءت كاشفة لعلاقات القرضاوي الملتبسة بالأزهر الذي تربى فيه وتخرج منه في كل مراحله التعليمية، قبل أن يخالفه في مواقفه خلال الفترة الأخيرة، وعلاقته بجماعة «الإخوان» المسلمين المحظورة التي انفصل عنها تنظيمياً وعضوياً، لكنه بقي مفتيها الأول، ومنظراً لها باعتبارها مشروعاً فكرياً وحركياً.
القرضاوي ابن الأزهر، الذي استقال من منصبه كعضو في هيئة كبار العلماء التي يرأسها شيخ الأزهر الشيخ احمد الطيب، برر استقالته بأن «الأزهر الآن أصبح غير الأزهر الذي بناه صلاح الدين الأيوبي ومن بعده، بعد أن أصبح يسير في الركاب، ويمسح الأعتاب، لكل فاجر كذاب» معتبراً في خطاب الاستقالة أن استقالته هي موقف «العلماء الأحرار».
القرضاوي هاجم الطيب واعتبر منصبه «مغتصباً بقوة السلاح، لحساب الانقلاب العسكري المغتصب المشؤوم، كمنصب الرئيس المصري سواء بسواء».
حرج الأزهر من إقالة القرضاوي يمكن تلمسه من بين ثنايا رده الذي جاء سريعاً على لسان الأمين العام لهيئة كبار العلماء عباس شومان الذي أشار في تصريحات رسمية نشرتها وكالة «أنباء الشرق الأوسط»، إلى أن هيئة كبار العلماء كانت قد تلقت، منذ فترة، طلبات من بعض أعضائها بتجميد عضوية القرضاوي في الهيئة، بسبب ما وصفوها بـ«إساءته المتكررة للأزهر، ودوره الوطني، ومحاولته النيل من شخص الإمام الأكبر شيخ الأزهر، إلا أن الطيب قرر تأجيلها حرصاً على وحدة صف الهيئة واحتراماً لمكانة القرضاوي».
بدوره، علق أستاذ الشريعة في جامعة الأزهر الدكتور أحمد كريمة على استقالة القرضاوي قائلاً، «استقالة من كان أزهرياً واستقالة من كان مصرياً أسعدت جميع الأزهريين الشرفاء، لأنه من العيب أن ينسب إلى الأزهر أحد «ذيول» جماعة الإخوان المسلمين، الذي خرج عن أوصافه العلمية كعالم، بدليل أنه في الماضى كفر مُنظر جماعة الإخوان سيد قطب واتهمه بالكفر والإلحاد» .
ومعروف أن الموقف الرسمي للأزهر كان مؤيداً لحركة 30 يونيو بدليل ظهور شيخه أحمد الطيب على المنصة التي تليت منها قرارات خارطة الطريق في 3 تموز الماضي عقب عزل الرئيس محمد مرسي.
ولم تخل استقالة القرضاوي من التوظيف السياسي للأحداث في مصر عبر اتهامه لشيخ الأزهر وهيئة كبار العلماء بالصمت على المذابح والأحداث الجسام، التي روعت الشعب المصري: في الحرس الجمهوري، والمنصة، وفي المنصورة والإسكندرية والمحافظات، وفض اعتصامات رابعة والنهضة، واقتحام الجامعات المصرية، وعلى رأسها جامعة الأزهر، وصدور الأحكام التعسفية ضد شباب الأزهر، واعتقال العلماء، ومطاردة الأحرار، والتضييق عليهم، وإغلاق القنوات الدينية، ومصادرة الحريات، وسد الشوارع على الناس بالدبابات والعربات المصفحة، وضرب الناس بالقنابل المسيلة للدموع، والخراطيش. واعتبر القرضاوي أن الهيئة «لا خير ينتظر من ورائها، ولا فائدة تُرجى من البقاء فيها، ولا تصلح هيئة لمثلي».
تعليقات المراقبين والمهتمين بالحركات الإسلامية والباحثين الشرعيين هي أيضاً لم تخل من الاتفاق على التوظيف السياسي لاستقالة القرضاوي من منصبه بحكم ارتباطه الفكري والتنظيري بجماعة «الإخوان» مع اتفاقهم على عدم وجود تأثير «حقيقي» لاستقالته على الأزهر أو هيئة كبار العلماء.
الباحث في مركز «النيل للدراسات السياسية والاستراتيجية»، أحمد بان، أوضح لـ«الأخبار»، أن استقالة القرضاوي تأتي في إطار سيناريو «منازعة الشرعية» بمفاهيمها الواسعة الدينية والسياسية والقانونية، التي تتبناها جماعة «الإخوان» الآن، بما لدى القرضاوي من ثقل وأنصار داخل وخارج مصر قد يلقي بظلاله حول «شرعية» النظام الحالي، لأن الاستقالة هي شكل من أشكال الطعن وعقاب مؤسسات الدولة على موقفها وقبولها بعزل مرسي عن كرسي الحكم.
واعتبر بان أن الاستقالة في الأساس سياسية أكثر منها علمية أو عملية، بالنظر إلى عدم وجود امتدادات إخوانية قوية داخل المؤسسة الأزهرية.
موقف بان وافقه عليه الباحث الشرعي أحمد سمنة، الذي رأى في حديث لـ«الأخبار» أن استقالة القرضاوي، الذي وصفه بأنه «الأب الروحي» للحركات الإسلامية حتى تلك التي اختلفت معه، ليس لها تأثير على هيئة كبار العلماء أو على الأزهر، بل بالعكس ربما جاءت في صالحهم رفعاً للحرج عنهم لأنها لم تأت منهم كـ«إقالة» بسبب تباين مواقف الطرفين، خاصة أن القرضاوي تحول إلى ما قد يوصف بـ«المنظّر» لجماعة «الإخوان»، الأمر الذي يوقعه أحياناً في «فخ التبرير لقرارات الجماعة».
تطابق وجهات نظر بان وسمنة حول دور الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وعلاقته بالإخوان يتضح من خلال اتفاقهم على أن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين رعته جماعة «الإخوان» المسلمين ليعمل كمرجعية موازية للأزهر الخاضع للقرار السياسي للدولة من وجهة نظر الجماعة، ما دفعهم لخلق كيانات موازية، تكون عوناً ونصيراً لهم، لكنها لا تحظى بنفس الثقل والتأثير الذي يحظى به الأزهر والمؤسسة الدينية المصرية بشكل عام، بسبب الاستقالات التي ضربته مؤخراً وأهمها استقالة الدكتور محمد سليم العوا من منصبه كأمين عام لها.