مطر عدوان

كنا ننتظر اتفاق ساسة فلسطين لإجراء انتخابات المجلس الوطني، لنختر نحن الفلسطينيون، اخيرا، من يمثلنا. فالشعب الفلسطيني ولظروف كانت تمر بها الثورة الفلسطينية،لم ينتخب ممثليه، إنما تم تعيين الأعضاء وفق توزيعات معينة لكل فصيل واتحاد. الذريعة؟ عدم القدرة التقنية، نتيجة توزع أبناء الشعب الفلسطيني في أماكن مختلفة من العالم، بحكم اللجوء والشتات.
المجلس المعطل بأعضائه ودوره وفعله، منذ حوالي الثلاثين سنة، جعل ذاكرتي تستدعي تاريخا من النضال الوطني الفلسطيني، وتأسيس منظمة التحرير، وإنشاء المجلس الوطني الذي يمثل برلمان شعبنا. في هذا الموعد الذي يتوافق مع ذكرى استشهاد ياسر عرفات (أبو عمار)، أتوقف لبرهة مع الذات. عاش أبو عمار.. مات أبو عمار.. غاب. لم يكن هذا الرجل مجرد زعيم من اللاجئين والمواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، والمحتلين، في الشتات، والـ 48، والـ 67.

استطاع أن يكون الرمز في شخصه، كان ديمقراطيا بقدر ما كان ديكتاتوريا، حين كان الفلسطيني يقول ما يشاء أمامه ويسمعه، وينفذ في خاتمة الأمر ما يراه مناسبا دون أن يزعج صاحب المقترح أو الرأي. لم يرحل عرفات قبل أن يزرع نفسه بذات كل فلسطيني بقدر ما، كان يوزع نفسه على كل الناس، فلا تسمع في المخيمات ممن عايشوا أحداث الثورة الفلسطينية في بيروت، إلا كلاما عمن التقاه أو أكل أو دبك ورقص معه، واليوم في أزمة المخيمات في سورية، هناك من يظل يسأل «وينك أبو عمار؟ تيتمنا بعدك يابا»، تسمعها من الكبار والكبار في السن.
اليوم بعد أعوام على غيابه، يبدو أن الرجل حق له أن يعتبر شهيدا بعدما ثبت تسممه، بمادة البلوتونيوم، ويبدو أيضا تورط أناس من الوسط المحيط به، واليوم الشعب الفلسطيني بانتظار ما قد يصدر من ردود أفعال من رفقاء عرفات، كسبب إضافي لإيقاف المفاوضات العبثية التي تنتهك قواعدها كل يوم.
عرفات، عاش المدن، وعاشته، وفي كل مكان من مدنه الكثيرة، ثمة وجود له، وثمة قصة تصل حد الخيال لروائي بارع في سبك الواقعية السحرية، نجا من موت محقق عدة مرات، كأنما ملك الموت كان يضله، أو يتركه عن عمد لسبب ما يجهله، ونجهله.
في المخيمات الفلسطينية، هناك قاعدة للنقاش حول عرفات، تجلت بعد وفاته، وهي «نختلف معه ولا نختلف عليه». ليصبح السؤال الأبرز اليوم لدى الناس، هل بقي من القيادة الفلسطينية من لا نختلف عليهم، أعتقد إننا نختلف حول الجميع تقريبا، كما نختلف معهم تماما. ربما لم يكن عرفات يقدم كل ما يجعل الشعب راضيا، لكنه كان يعرف كيف يعود ليرضيه بطريقته المرتبطة بكاريزما شخصيته الخاصة جدا.
لم يكن عرفات وحده قائد الشعب الفلسطيني، هو ومن معه حاولوا تكوين الهوية الفلسطينية المستقلة، لتكون فيما بعد مجاز هوية غير مكتملة.
في أحد مكاتب منظمة التحرير، في دمشق، بانتظار أعضاء المجلس الوطني، الذين تأخروا عن موعد دوامهم المفترض، كما هم متأخرون عن شعبهم بأعوام من الثورة واللجوء، أحاول الإجابة عن سؤال بسيط، أين المجلس الوطني الممثل لنا كبرلمان للشعب الفلسطيني؟. هل يعرفون حقا ما حل بأبناء اليرموك. هل هناك صوت منهم صرخ، لا للمفاوضات، أم أن مرتب الشهر حال دون تحريك ألسنتهم وقلوبهم؟ الهجوم على هذه الحالة التي وصلنا إليها، ليست لمجرد الهجوم، ولكن لأن الوقت لم يعد من ذهب، بل من دم وأرض.