رحاب عمورة

عندما كنت في الثالثة من العمر اختلط عليّ مفهوم أنني فلسطينية ولكني أسكن سورية! فهي قضية كبيرة جدا على طفلة صغيرة، ولطالما سألت أهلي متى سنذهب إلى فلسطين؟ فكان الجواب دائما «لا نستطيع، فالصهاينة أخذوها وطردونا منها». وبحميّة طفولية كنت أجيبهم: «سأذهب وأضربهم بقوة»، وحينها كنت ألوّح بحزامي الجلدي الذي نزعته عن خصري.

عندما كبرت قليلا بات المفهوم يتضح أكثر فأكثر واصطدمت بمصطلح هو في الواقع وصف لحالنا: «لاجئون». نعم نحن لاجئون فلسطينيون، وكان يحزّ في قلبي، كلما علم أحد جنسيتي الفلسطينية، أن أرى تلك النظرة المليئة بالشفقة في عينيه، وكأنه علم للتو بمصيبة ما ألمت بي.
منذ كنت صغيرة أحببت الذهاب كثيرا إلى مخيم اليرموك. فأنا لم أكن أقطن فيه. كنت أشعر ما ان ادخله بحميمية كبيرة وانتماء. فكل من حولي فلسطينيون. واللهجة الطاغية هي لهجتنا. اسماء المحال والزواريب كلها تذكر بفلسطين.. إنه عالم آخر!
وظل هذا الشعور يرافقني إلى يوم نكبة المخيم. يومها، خرج أهله أفواجاً يحملون ما قدروا ان يحملوه، كان المشهد تماما كيوم خروج أجدادهم من فلسطين عام 1948. يومها، على ما أذكر، عادت نظرة الشفقة تلك الى العيون المتعاطفة، عادت لتعلمنا أن مصيبة كبرى ثانية حلت بأهلي وشعبي. فالمخيم كان وطنهم بعد أن فقدوا فلسطين. أين سيذهبون الآن؟!
شعرت بفراغ كونيّ في داخلي، إنه شعور قاس أن تجد نفسك بلا هوية، بلا وطن، او بلا حضن تعود إليه عندما يضيق العالم بك. تتساءل حينها: من أنا؟ وإلى أين أنتمي؟ نعم أنت لاجئ، وبت الآن لاجئا مرتين! يا لسخرية القدر.
تفرق أهلي وأصدقائي فمنهم من بقي في سورية ومنهم من سافر إلى دول أخرى علهم يجدون الأمان، ليكتشفوا أن بلاد العرب ليست «أوطاني»، فبعضها رفض استقبالهم ومنها من عاملهم بازدراء، وخصوصا عندما كانوا ينظرون الى «وثيقة سفر للاجئين الفلسطينيين». وأينما ذهبت أنت في الدرجة الثانية وموضع الشك: لا وطن يضمن للجميع انك ستعود إليه. فلربما طاب لك المقام هنا ولن تعود.
عندئذ فقط تذكرت سؤال طفولتي عن كوني فلسطينية ولكنني لا أستطيع الذهاب إلى بلدي فلسطين. فهمت. لا استطيع العودة الى بلدي. انه هناك على مقربة ولكن. .. مستحيل. تفجر داخلي غضب عارم، هو شعور كل اللاجئين الذين باتوا كقنبلة قهر موقوتة أزيل صمام أمانها. وتحول الغضب إلى رفض لواقع يحاول الجميع فرضه عليهم بالقوة. سعى بعضنا بكل الطرق لإيجاد سبيل لانتزاع الحياة، حتى لو كان ذلك برمي أنفسهم في لجة البحر الغريب.
عشرات من أصدقائي وأقاربي قرروا الرحيل إلى أوروبا بعد أن فتحت العديد من دولها باب اللجوء، علّهم يصلون إلى أرض صلبة يستطيعون أن يقفوا عليها بعد أن تقطعت بهم السبل ولم يعد لهم من مفر آخر. لكن، ليس صحيحا ان كل الطرق تؤدي الى روما، فامام الفلسطيني طريق وحيد هو ركوب البحر من شاطئ الاسكندرية في مصر تهريبا. قرروا المجازفة، وسلموا زمام امورهم للمهربين القساة. استطاع بعضهم الوصول، في حين غرق آخرون ودفنوا في ارض تمنوا ان يعيشوا فيها.
يؤلمك اصدقاء وطن الامس. ينصّبون أنفسهم حكاما على ضميرك: فإما أن تكون آراؤك مطابقة لآرائهم أو أنك العميل الذي باع الوطن والقضية! تتكشف الوجوه، وبينما كنت البارحة من أهل الدار أصبحت الآن مجرد ضيف لا يحق له التدخل فيما لا يعنيه. وأول من يتخلى عنك هم أبناء جلدتك ومن نصبوا أنفسهم ناطقين باسمك.
السلطة الفلسطينية تقول أنها نجحت بالتوسط للمخطوفين اللبنانيين الذين أسعدتنا عودتهم إلى الحرية، ولكن في الوقت ذاته، تقول في نفسك: إن كانت السلطة قادرة على أن تكون فاعلة إلى هذه الدرجة في الصراع السوري، فلم لم تتحرك لحل أزمة الفلسطينيين ومخيماتهم هناك؟ اولئك الذين باتوا في مهب ريح تتقاذفهم في كل اتجاه، ناهيك عمن حوصروا في مخيم اليرموك حتى بات الناس يموتون جوعاً (سُمح بادخال الغذاء لاول مرة يوم الثلاثاء الماضي)؟!.
أم سالم، امرأة عجوز في مقام جدتي، قالت إن خروجها من المخيم كان أصعب عليها من خروجها من فلسطين، تقول ذلك وهي ترى أحفادها يتذوقون مرارة لم تستطع نسيانها رغم مرور عشرات السنين. رأيتها تبكي بيتا تمنت أن تموت بين جدرانه، بعد أن يئست من تحقق امنيتها بالموت على أرض فلسطين. لكنها ماتت بحسرتها على أرض ثالثة، غريبة، لم تعرفها طوال الثمانين عاما التي عاشتها.
يوم سمعت خبر وفاتها عاد صدى كلمة لاجئ يتردد في رأسي ليذكرني بحالنا: أننا لاجئون. لا ذنب لنا في هذه الحياة سوى أننا ولدنا في أرض ليست أرضنا. لم نعرف يوما وطننا إلا من خلال حكايات الجد والجدة المقرونة بحرقة على ما تركوه وراءهم. تمسكنا به قطعة من قلبنا ورفضنا التنازل عنه رغم مساومات الكثيرين، وكنا نتباهى بأننا فلسطينيون، ونصرّ كجدنا وجدتنا على أننا لم نبع الأرض كما يدّعي المغرضون، فمن هذا الذي يبدل انتماءه باللانتماء وهويته باللاهوية؟!
لاجئون.. الجميع يتغنى بحق عودتنا، لكنهم باسمه ينتهكون كل حقوقنا الأخرى.




اعتبرت وكالة رويترز ان «الفلسطينيين الذين رحلوا من سوريا هم الخاسر الأكبر من الصراع المستمر هناك منذ عامين ونصف». فقد أجبر الصراع زهاء 50 ألف فلسطينيا على الرحيل من بلد كانوا يحظون فيه بأفضل معاملة في البلاد العربية. ودفعت بعض الأسر مبالغ مالية كبيرة لمهربين ليساعدوها في الخروج، وقتل الكثيرون في تلك العمليات، واشهرها مؤخرا غرق عبارة مصرية قبالة السواحل الايطالية، وأخرى قبالة السواحل الاندونيسية. وكان فلسطينيو سوريا يتمتعون بالحق في المدارس العامة وبالرعاية الصحية ويشغلون وظائف حكومية.