تلاحقك الحفاوة أينما حللت في مدينة النجف العراقية. يبرّر لك النجفيون الأمر بأسباب مختلفة. مرة لأنك لبناني وهم يحبون لبنان. ومرة لأنك ضيف وهذه عادة العراقيين، إكرام الضيف. لكن ما لا يقولونه مباشرة، يظهر في فلتات ألسنتهم: لا يحظى بشرف المجيء إلى النجف إلا من وفّقه أمير المؤمنين إلى ذلك. أنت في النجف، أنت إذاً ضيف الإمام علي بن أبي طالب.


في الطريق من الفندق إلى «الحَضْرة»، يؤكد سائق التاكسي على هذه «الحظوة» التي خُصّ بها زائر النجف. يشير إلى مقبرة وادي السلام الأكبر في العالم، والتي يوصي عدد كبير من المسلمين بأن يدفنوا فيها لكي يكونوا قريبين من الإمام ويحظوا بشفاعته يوم الحساب. يقول السائق: «حتى الذين يُدفنون هنا، يصلون ببركة أمير المؤمنين. من لم يرضَ عنه الإمام، لن يصل ولو دفع آلاف الدولارات ليدفن».
نصل إلى المقام، الذي تغيّر كثيراً عما كان عليه قبل الحرب الأميركية على العراق. توسّع صحنه وتعدّدت أبوابه. ويحكي النجفيون عن مشاريع إضافية لتوسيعه، يخشى منها تجار السوق الكبير الملاصق لأنها ستهدد أعمالهم. لكن رغم أعمال التوسيع، يشهد المقام ازدحاماً كبيراً، لا سيما من قبل الإيرانيين. تتذكر كلام السائق: «قد لا تصلون إلى القفص، الإيرانيون ملتصقون به ولا يفارقونه». لذا، عندما تسمع واحدة من القيّمات على المقام لهجة لبنانية من اللواتي يحاولن التقرّب من القفص، تبادر إلى المساعدة. تطلب من الإيرانيات الابتعاد قليلاً، بلهجة الرجاء «إنهنّ غريبات وقد قدمن ليسلّمن على الإمام. اسمحن لهن بالاقتراب».
يسهل تمييز الإيرانيين عن غيرهم في المقام، فهم الأكثر تأثراً بلقاء الإمام، والأكثر التصاقاً بقفص المقام. وكأنهم لا يصدقون أنهم باتوا يستطيعون زيارته بعدما حرموا من الأمر لعقود. أما العراقيون فيتميزون أيضاً من خلال العلاقة الخاصة مع صاحب المكان. يكفي أن تقف بعيداً عن القفص وتراقب، لتكتشف كيف يتصرف أبناء البلد مع «الأمير». يحكون عنه، ومعه، كأنّه لم يمت. وكأنّه والدهم، زميلهم، جارهم، وباتت لهم عليه مَوْنة.
تلتصق سيدة عراقية بالشباك، وتقول: «يا أمير المؤمنين، نذرت لك هذا الحلق الذي في أذنيّ إذا شفيت ابنتي». تضع يدها على أذنها، ثم تستدرك «لكني لن أخلعه الآن، بل عندما تشفى». وفي مكان آخر، يقف رجل عند الباب، منتظراً زوجته. هي من يطلب الشفاء لابنهما، الذي ابتلع سلكاً حديدياً ويجب أن يخضع لعملية جراحية. وبما أن العائلة غير قادرة على توفير كلفة الاستشفاء، لا منقذ إلا الإمام «وإلا، لن أزور عتبتك ثانية» يقول الرجل موجّهاً حديثه إلى صاحب المقام. وليؤكد له جديته، يلفت نظره «وكما ترى، هذه المرة لم أدخل عندك، ولن أفعل، إلا إذا شفي ابني من دون عملية». سيدة ثالثة، كانت تستأذن الإمام في التوجّه لزيارة مقام ابنه أبو الفضل العباس في كربلاء. وهناك، في كربلاء، حيث مقام الإمام الحسين أيضاً، يمكنك أن تسمع الزوّار يستجيرون بالإمامين: «بحق شفيعنا لديكما، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب...».
كلّ ما في النجف، مرتبط بالإمام بالنسبة إلى أهل المدينة. «ماكو إمام علي، ماكو نجف» يقول أمير جمّالي، ابن العشرين عاماً. وتوضح الأستاذة الجامعية في كلية التربية للبنات في جامعة الكوفة، منى جابر، أن «النجف لم لكن لتوجد لولا الإمام علي. فهي تأسست مع وجود المقام، لذا تسمّى مدينة الوافدين. وإذا كان الإمام سبب وجودنا، فمن الطبيعي أن تكون علاقة ابن النجف معه علاقة خاصة».
وهذا ما رسّخ، على مرّ السنوات، تقاليد اجتماعية عديدة في العلاقة بين أهل النجف ومقام الإمام علي. تروي جابر إنه «ما إن يتمّ الطفل الأربعين يوماً، ويحين موعد خروجه الأول من البيت، يأخذه أهله إلى الإمام علي. يكبر الطفل في النجف، وقبة مقام الإمام علي المذهّبة تأسر نظره. أما الزيارة الأولى التي تقوم بها العروس، عندما تخرج من بيتها في اليوم السابع لزواجها، فتكون إلى الإمام علي. ومن التقاليد أيضاً، أن من يقرّر خلع ثياب الحداد السوداء عليه أن يحمل ثيابه الملوّنة ويطوف بها حول قفص المقام. وعندما يموت ابن النجف، يكون المقام آخر ما يزوره مودّعاً الحياة».
قد لا تحتاج إلى سماع رواية جابر في حال أطلت المكوث في المقام. فخلال ساعة واحدة أمكن ملاحظة دخول ثلاثة جثامين إلى المقام لتوديعه، بالإضافة إلى رضيع كانت السيدة التي تحمله تجاهد لتصل إلى القفص وتطلب من الإمام أن يباركه. كما يمكنك أن تستمع إلى نكات يطلقها النجفيون عن الإمام صاحب اليد الطويلة. فبما أنه كذلك، تنصح السيدة صديقتها التي اشترت أغراضها للتوّ من السوق، بأن تنتبه إليها جيداً «فقد يمدّ الإمام يده ويأخذ أغراضك ليعطيها لمحتاج».
باختصار، هي علاقة تمتدّ من الولادة إلى الموت، وما بينهما من أفراح وأحزان. ولهذا يسمّى أولاد النجف، أولاد علي كما تقول جابر. صحيح أن الجانب الوجداني ليس وحده ما يعطي النجف ميزتها، لكنه الطاغي على مشهد العلاقة بين المدينة وسكانها. ولكلّ نجفي ذاكرة مع المقام، منذ كان طفلاً.
زار أمير جمّالي (20 عاماً) مقام الإمام علي عندما كان في الخامسة من عمره. «كان أبي يأتي بنا إلى الإمام الذي يحلّ لنا المشاكل». وكذلك الأمر بالنسبة إلى معن المناوري (25 عاماً) الذي يتذكر المقام منذ كان عمره خمس سنوات. «كنا نشعر فيه بالأمان أكثر من بيتنا. ولا يزال حتى الآن المكان الذي نفتح فيه قلوبنا. وقد قال لي أبي إن العراقيين من مختلف المذاهب يستجيرون به أيضاً. وهناك رواية تقول إن غزالة احتمت به أيضاً فحماها». وبما أن الإمام حمى الغزالة، فمن الطبيعي أن يحمي أهل المدينة «خلال الحرب الأولى، (ويقصد الانتفاضة الشعبية في العام 1991)، هربنا من النجف ومشينا مسافة 20 كيلومتراً سيراً على الأقدام. كنا خمسين شخصاً، تشرّدنا وجعنا وقتل عدد من الذين كانوا معنا، إلى ان قررّ أبي أن يعود بنا إلى المقام لنحتمي فيه». الحماية متبادلة بحسب رواية معن «في الحرب الثانية، وصل الأميركيون إلى أمتار قريبة من المقام، ولم يسمح لهم الناس بالدخول بل جلست في الطريق ومنعتهم من التقدم». أما علي الموسوي (22 عاماً) فهو من مواليد بغداد «لكننا عشنا فيها عيشة النجف»، بمعنى بناء العلاقة مع الإمام علي «إلى أن تحقق الحلم وأقمنا في النجف منذ ثلاثة أعوام».
منى جابر تتذكر أنها كانت في السابعة من عمرها عندما زارت الإمام علي مع أهلها. لفت انتباهها في ذلك الوقت تعلّق الناس بالضريح وحرصهم على التمسّك بالشباك. سألت عن السبب، فقيل لها «كيف تسلّمين على من تحبين بحرارة. نحن نلتصق بالشبك فنشعر بأننا أقرب إلى الإمام». وبما أنهم أقرب، سيكون بوسعهم أن يهمسوا له، أن يشكوا أوجاعهم. وحتى أن يستأذنوه في القيام بأعمالهم. هكذا، يعتقد أبناء النجف منذ صغرهم، بأن «الإمام قادر على أن يسمعنا ويرانا وأن يوصل ما نريد إلى الله سبحانه وتعالى».
تحكي جابر عن هذه العلاقة الروحية، وتعيشها، لكنها مقتنعة تماماً بأنها غير كافية وحدها لبناء علاقة مع «هذا الإنسان العظيم الذي قدّم الكثير إلى البشرية». برأيها «حينما نأتي إلى ترجمة هذا الاتصال الروحي إلى سلوك حقيقي وفعلي في الحياة سنصطدم، بدهاليز النفس الأمارة بالسوء، بالدنيا بأكملها...». لذا «عندما قال لنا الإمام علي «أعينوني بورع واجتهاد» أراد أن نعينه بسلوك يشابه سلوكه. لا بأن نحبه فقط. نحن الآن نغالي في الحب. نحبّه نعم، لكن أعتقد أننا يجب أن نكون كفوئين لهذا الحب».
تجد جابر سريعاً مثالاً نقدّمه عن كيف يكون المرء كفوءاً بحب الإمام. فتقول، رداً على سؤال عن وضع النجف اليوم «تحتاج النجف إلى الكثير، تحتاج إلى إعادة بناء حضارية متكاملة لأنها تستحق ان تكون مدينة نباهي بها. هي إرث معرفي لم يستغلّ ولم يوظّف وأعتقد أن الإمام علي يتألم منا. فنحن ننتهك حرمته يومياً حرمته في كثير من الأشياء. مجرد أننا لا نقلّده في طريقة إدارة المدينة يتألم منا».




كربلاء والكوفة

تعدّ الكوفة وكربلاء من المحطات الأساسية لأي زيارة دينية إلى النجف. واللافت، في الطريق من النجف إلى كربلاء، أن الطريق إلى يمين السائق تغصّ بالاستراحات، المسمّاة بالمواكب. تتفاوت هذه الاستراحات في أحجامها، وفخامتها. لكنها كلّها أقيمت لخدمة زوار الإمام الحسين الذين يفدون إلى كربلاء مشياً على الأقدام من مختلف محافظات العراق، عدا أولئك القادمين من الخارج. والطريف في الأمر، أن الطريق من الجهة المقابلة تخلو من أي بناء لأن الزوّار يعودون بالسيارات.
أما في الكوفة، حيث منزل الإمام علي ومقامات عدد من أصحابه، فيشعر الزائر بأنه عاد إلى الزمن الماضي، مع استمرار الاهالي في استعادة روايات أصحاب الإمام علي. عندما وصلنا ليلاً، كان أبناء الكوفة يعدّون «القيمة» لكي يوزعوها في اليوم التالي على من يرغب «بمناسبة استشهاد ميثم التمّار، أحد أصحاب الإمام».



الحوزة العلمية: كي لا نقف على الأطلال



«عدنا إليك فعاد المجد والشرف/ وما تزال غريباً أيها النجف».
هذا البيت الشعري كتبه السيد مهنّد جمال الدين، نجل الشاعر مصطفى جمال الدين، عندما عاد إلى النجف قبل عشر سنوات. يذكره في ختام حديث «الأخبار» معه عن واقع النجف الحالي، ولا سيما وضع حوزتها العلمية. لكنه، عندما يُسأل بشكل مباشر عما إذا كان هذا هو لسان حاله اليوم، يجيب «لا، يبقى عندي أمل بأن يتعدّل الوضع بمرور الزمن ولو كان التغيير بطيئاً».
تبدو مفاجئة كلمة «أمل» تخرج على لسان جمال الدين، بعد سرده للعديد من الوقائع التي لا تبشّر بمستقبل وردي للمدينة وحوزتها. فالاثنتان مترابطتان «المقام الموجود في النجف، إذا لم يكن بقربه حاضرة علمية، يصبح مقاماً اعتيادياً. كربلاء التي تضم ضريح الإمام الحسين لا نقول عنها مدينة علمية. كذلك الكاظمية، ليست مثل النجف التي بقيت ألف سنة تنتج علماء وتنتج أدباء».
فمنذ تحوّلت النجف إلى مدينة علمية، مع قدوم الشيخ الطوسي إليها في العام 1057 (448 هـ)، لعبت دوراً أساسياً في تاريخ العراق السياسي والديني والاجتماعي. وكان علماؤها في صدارة أي حراك، حتى أن النجفيين يفاخرون بأن «ثورة العشرين» ضد الاستعمار البريطاني كانت بقيادة العلماء الموجودين في النجف.
أما اليوم، فقد «ضعفت الحوزة العلمية لأسباب عديدة، وهي إذا لم تلتفت إلى نفسها للمحافظة على ما تأسس فيها، أرى أنها ستنتهي بمرور الزمن وتصبح مجرد ذكريات. الآن عندما نتحدث عنها، نسرد ذكريات ولا نقدّم جديداً»، يقول جمال الدين الذي لا يجد أي وجه للمقارنة بين اليوم والماضي. المثال الأبسط الذي يقدّمه هو عدم قدرة الحوزة على الاستقطاب. فهي لم تعد تستقبل طلاباً من مختلف الدول كما كانت الحال عليه في السابق، على الرغم من وجود الكثيرين من الراغبين في ذلك «لكنهم لا يملكون الإمكانات المادية لذلك». يشرح: «في السابق كانت الحياة بسيطة، وكانت النظرية السائدة أن الحوزة لا تستقبل إلا الراغبين بذلك. هذا غير ممكن حالياً. لقد صارت المتطلبات كثيرة، واحتياجات الفرد كذلك، وصار متوقد الذكاء يشعر بأن ذهابه إلى كلية الطب يؤمن له كلّ مستلزماته فلم يأتي إلى الحوزة؟ هو متديّن سواء كان طبيباً أم رجل دين. لذلك أرى أنه، للمحافظة على الحوزة، يجب أن يستقطب القيّمون عليها متوقّدي الذكاء من خلال تقديم التسهيلات لهم. هؤلاء لا يأتون برغبتهم بل يجب أن نرغّبهم». وهذا سبب أساسي من الاسباب التي تقف خلف قلق جمال الدين على الحوزة. «فالقيّمون عليها مقتنعون بأن على من يأتي إلى النجف، أن يفعل ذلك عن رغبة. طيّب. لكن أليس أمراً لافتاً أن الأسر الدينية لم تعد ترسل أولادها إلى الحوزة بل إلى الخارج لدراسة الطب أو الهندسة؟ أليس لافتاً أن هناك عدداً من الأسر دينية قد ماتت؟».
في ظلّ هذا الواقع، كيف يقارب جمال الدين ما يحكى عن تنافس بين حوزتي قم والنجف؟ «هو ليس تنافساً بقدر ما هو واقع. لقد تطوّرت قمّ علمياً على حساب النجف التي غادرها طلابها الجيّدون على مدى ثلاثين عاماً بعدما فتك بهم النظام... بعد السقوط، عاد الطلاب العرب الذين درسوا في قمّ إلى النجف وبدأ الكلام. برأيي، تحتاج هذه الحالة إلى مزيد من العناية من الفقهاء أنفسهم. الحالة العلمية تقوّم نفسها بنفسها».
أمر آخر يلفت إليه جمال الدين، هو كيفية التعامل مع الأعداد المليونية التي تفد إلى النجف كل عام بمناسبة عاشوراء، إذ يصبح الشارع عبارة عن قطعة من البشر على مسافة 600 كيلومتر. «هذه الأعداد أنا لا أستثمرها كرجل دين. لا أدري كيف يمكن استثمارها لكن يجب أن تكون هناك دراسات معينة لأني أخشى أن يكون ما يحصل مجرد ردّ فعل على القمع الذي تعرّض له الناس لعقود». والدليل «نلاحظ خلال عشرة أيام أن الناس موجودون في المجلس الحسيني وخلف الرادود.. لكن عندما نصل إلى الصلاة في المسجد لا نجد كثيرين. هذه حالة سلبية، هناك فصل عند الناس بين قضية الصلاة والقضية الحسينية. يجب أن يعرف الناس أن الحسين لم يثر إلا لكي يقيم الصلاة».
- هل يقال هذا الكلام داخل الحوزة؟
«لا يقال. وكأن قضية الحوزة مرتبطة فقط بالفقه والأصول. هذه الأمور التجريدية البعيدة عن الواقع. في حين أننا بحاجة إلى حراك على الأرض».
مهى...




كهرباء وانترنت... ومتسوّلون



تغيّرت النجف. يمكن لأي زائر عرفها قبل الحرب الأميركية عليها عام 2003 أن يلاحظ الأمر. حركة إعمار تشهدها العديد من الشوارع في المدينة. جسور جديدة شيّدت، ومحال تجارية افتتحت، عدا المطاعم والفنادق التي تفتتح تباعاً، ويتردّد أن معظم مستثمريها من اللبنانيين والسوريين. في المقابل، يمكن ملاحظة أن أبرز ما ميّز النجف، والعراق، قبل «السقوط» لا يزال ماثلاً بوضوح: الفقر. الأطفال المتسوّلون منتشرون في كلّ مكان، خصوصاً في محيط المقامات الدينية. يواكبهم شبان امتهنوا بيع «لبّ» النخل، أو أوراق المحارم، أو علب التمر. يقيمون «بسطات» صغيرة يعرضون عليها بضاعتهم الفقيرة وينادون عليها بأعلى أصواتهم. ضاحكين بخجل عندما تلاحقهم الكاميرا، ومستجدين عندما يشعرون بأن تعبهم سيذهب من دون أي مردود مادي. قد يكون الأمر الوحيد المختلف بين أطفال العام 2003 وأطفال العام 2013، أن الأخيرين باتوا يحفظون بعض مفردات اللغة الفارسية يحكون بها مع الزوّار لترويج بضائعهم.
يشكو أبناء النجف من هذه الأمور التي تشوّه صورة مدينتهم، والمشهد العام للمقامات. منهم من يبرّر الأمر «فقد حرمنا على مدى عقود من مختلف أنواع الخدمات، بما فيها البنية التحتية، لذا يحتاج التغيير إلى المزيد من الوقت». في حين يلفت آخرون إلى عدم اهتمام المسؤولين كفاية بالمقامات ومحيطها «يتصرّفون على قاعدة أن من يأتي إلى المقامات ويطيل المكوث قربها هم الفقراء، لأن الأغنياء يكتفون بزيارة قصيرة ويغادرون». برأي هؤلاء «يوجد الكثير من المال اليوم لكن القيّمين على المدينة لا يعرفون كيف يوظفونه».
في المقابل، بات أبناء العراق يتمتعون بنعمتين: الكهرباء التي لم تعد تنقطع، والانترنت بخدمته المتوافرة وبسرعة مقبولة. وحسين، الشاب النجفي، سعيد جداً بهذين الأمرين اللذين يختارهما لبدء الحديث مع ابتسامة واسعة تزيّن وجهه النحيل. تزول الابتسامة سريعاً مع بدء الشكوى من الأشغال التي تعطل الحركة في مختلف أحياء المدينة. «هناك بيوت لا يمكن دخولها الآن بسبب الأعمال الجارية». وهي ملاحظة ستتكرّر على ألسنة عدد من النجفيين، في معرض الاعتذار عن عدم القدرة على دعوتهم لك في منازلهم «لن تستطيع السيارة الوصول بسبب الأشغال».
م. ز.




شعبية التيار الصدري

يحظى التيار الصدري بشعبية واسعة في أوساط النجفيين. ويردّ التيار هذه الشعبية، بحسب أحد قادته، الشيخ مهنّد الغراوي إلى شخصية السيد مقتدى الصدر «أولاً لأنه يشكل امتداداً للشهيدين الصدرين، ثم لأنه كان أنموذجاً كرس جهده ليحرّر العراق من الاحتلال وحمى الشباب من الانجرار خلف الاحتلال والوقوع في العمالة». كان هذا الأمر صعباً في البداية؛ لأنه «كانت لدى البعض من العراقيين شبهة: لولا أميركا لما سقط صدام. وهذه كالشبهة القديمة: من الأوّل، البيضة أم الدجاجة؟ نحن أيضاً نقول: من الذي جاء بصدام؟ لولا أميركا لما جاء صدام».
نجح التيار الصدري في محو هذه الشبهة، وحاز شعبية واسعة تجعله اليوم طامحاً إلى خوض الانتخابات المرتقبة بثقة كبيرة في كلّ العراق. ومن شروط الترشّح التي يعدّها أنه «يحق لكلّ عراقي الترشح للانتخابات التمهيدية بغض النظر عن انتمائه الديني أو القومي أو المذهبي»، ويضيف غراوي: «نحن نريد أن يصل إلى البرلمان كلّ مخلص، المهم أن يكون عراقياً تكنوقراط يفهم من أين تبدأ ومن أين تنتهي مصلحة الوطن».
إلى العمل السياسي، يدير التيار الصدر مؤسسات اجتماعية «اسمها الممهدون، تعنى بالتثقيف وتقيم دورات مهنية للشبان وتخرّج سنوياً أكثر من سبعة آلاف شخص من مختلف الأعمار والمناهج».

... والسيد حسن نصر الله

لا تقلّ شعبية الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، عن شعبية التيار الصدري في النجف، وخصوصاً من قبل الشبان العشرينيين. هم من يسألون عنه لجمع معلومات لا يعرفونها، تؤكد لهم أن مشاعرهم الإيجابية نحوه ليست خاطئة. تدمع عينا علي الموسوي وهو يحاول أن يعبّر عن حبّه لنصر الله، ويقول: «لا أعرف لم أحبه. أحسّه كوالدي. عندي شعور قوي تجاهه. أنا واثق بأنه لو كان مرجعاً (فقهياً) لقلّدته». يضيف بكلّ جدية وبصوت خافت كمن يفشي سرّاً: «حتى أهلي في البيت لا يعرفون حجم محبتي لهذا الإنسان. وفي رأيي، أنه إذا تسلم العراق شخصياً، وليس المحيطين به، يتحسن وضعنا كثيراً. ولو كان لديه مكتب هنا لعملت معه مجاناً».