اعلن الرئيس الأميركي باراك اوباما انه بحث مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، خلال لقائهما مساء أمس في البيت الابيض، كيفية التصدي لتنظيم «القاعدة» في العراق الذي يشهد موجات من أعمال العنف الدامية.

وقال أوباما، في مؤتمر صحافي مشترك مع المالكي، بعد اجتماع امتد أكثر من ساعة ونصف ساعة، إنه بحث وضيفه في «كيفية التنسيق للتصدي لهذه المنظمة الارهابية (القاعدة)»، لافتاً إلى تجدد الهجمات التي تشنها في العراق.

وأضاف اوباما أن الولايات المتحدة تؤيد فكرة ارساء «عراق جامع وديموقراطي ومزدهر»، مؤكداً أن واشنطن تريد عراقاً لا يقصي أحداً، وخالياً من العنف. وأوضح أن بلاده تريد من العراق إقرار قانون للانتخابات حتى يستطيع العراقيون مناقشة خلافاتهم سياسياً بدلاً من اللجوء للعنف.
وسارع المالكي إلى التأكيد على أنه يريد إجراء الانتخابات المقررة العام المقبل في موعدها، وأنه يتفق تماماً مع أوباما بشأن الحاجة الى حل سلمي في العراق.
وتوج اللقاء بين اوباما والمالكي في المكتب البيضاوي زيارة رئيس الوزراء العراقي لواشنطن التي استمرت ثلاثة أيام، سعى المسؤول العراقي من خلالها إلى تلقي مساعدة من الولايات المتحدة لوضع حد لموجة العنف المتنامية في بلاده، الأكثر دموية منذ خمسة أعوام.
لكن المالكي لم يتطرق مباشرة الى هذا الموضوع الجمعة في البيت الابيض، مشيراً إلى أن الديموقراطية في بلاده «هشة لكنها بالغة الاهمية»، ومشيراً الى مساعدة من الولايات المتحدة لـ«تنمية العراق واعادة اعماره».
وكان الرئيس الاميركي الذي انتخب بناء على وعد بانهاء التورط العسكري في العراق، قد قال عندما استقبل المالكي في البيت الابيض في المرة السابقة في 12 كانون الاول 2011 «توصلنا الى عراق يحكم نفسه بنفسه (...) ولديه امكانات هائلة».
ومنذ وصوله الى واشنطن الاربعاء، ضاعف المالكي لقاءاته مع مسؤولي السلطة التنفيذية، وبينهم مسؤولو وزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون) واعضاء الكونغرس. وقد دعا الخميس الاسرة الدولية الى «حرب عالمية ثالثة» ضد «فيروس القاعدة».
وتجمع نحو 150 شخصا امام البيت الابيض للاحتجاج على زيارة المالكي معظمهم من اعضاء منظمة مجاهدي خلق الايرانية المعارضة. ويطالب هؤلاء بالتحقيق في الهجوم على معسكر اشرف (شمال بغداد) الذي شنه الجيش العراقي في اول ايلول الماضي واوقع 52 قتيلاً حسب الامم المتحدة.
وكان الناطق باسم البيت الابيض جاي كارني قد اعترف أول من أمس «بتزايد العنف» في العراق، مؤكدا ان الولايات المتحدة «تدينه بأشد العبارات»، لكنه اكد ان القاعدة ستفشل في محاولاتها «اثارة حلقات من عمليات الانتقام الطائفية».
من جهته، وصف علي الموسوي، الناطق باسم المالكي، المحادثات التي اجراها رئيس الوزراء العراقي في واشنطن مع نائب الرئيس الاميركي جو بايدن مساء أول من أمس «بالجدية والمثمرة».
وقال البيت الابيض ان بايدن الذي كلفه اوباما منذ 2009 ملف العراق «أكد مجددا التزام الولايات المتحدة تجهيز العراقيين (عسكريا) لمحاربة القاعدة».
وقال الموسوي إن كل الذين التقاهم المالكي اكدوا انهم متضامنون مع العراق لمساعدته على مكافحة الارهاب في العراق والمنطقة.
واتخذ لقاء المالكي بالرئيس الأميركي أمس حيزاً كبيراً في الإعلام الأميركي، إذ إن زيارة رئيس الوزراء العراقي الى الولايات المتحدة تأتي في وقت صعب على العراق، في ظل تنامي أعمال العنف وعودة تنظيم القاعدة إلى الواجهة.
وتضمنت الزيارة البحث في التعاون الأمني لمحاربة الإرهاب، وصفقة أسلحة أميركية الى العراق، اضافة الى الأزمة السورية.
ويجمع الأميركيون على توجيه أصابع اللوم إلى المالكي في ما يخص التدهور الأمني، فالعراق يشهد أعنف عامٍ له منذ عام 2007. ويعزون سبب هذا التفلت الأمني إلى سياسة المالكي الإقصائية التي ترمي إلى إبعاد السنة عن مراكز اتخاذ القرارات، معززاً بذلك من الشعور بالمظلومية لديهم، مما أسهم في عودة تنظيم القاعدة إلى الساحة العراقية.
ويعول المالكي على الدعم العسكري الأميركي لحكومته من أجل مساعدته على محاربة الإرهاب، لكن مساعيه قد تصطدم برفض العديد من أفراد مجلس الشيوخ الأميركي، الذين وجهوا رسالة إلى أوباما يوم الثلاثاء الماضي، دعوه فيها إلى التروي قبل مساعدة المالكي عسكرياً، لكون الأخير أسهم في دفع بلاده إلى الهاوية من خلال «أساليبه الدكتاتورية»، و«رفضه تشارُك الحكم مع الأقلية السنية»، لذا «فتلك الأسلحة التي يسعى رئيس الوزراء العراقي للحصول عليها قد تستعمل في قمع الاحتجاجات السلمية» كتلك التي حصلت في نيسان من هذا العام.
بعض المخاوف الأخرى التي طرحها أعضاء من مجلس الشيوخ الأميركي، وعلى رأسهم السيناتور جون ماكين، هي في استمرار مساعدة العراق لإيران، و«السماح للطائرات الإيرانية بالتحليق فوق الأراضي العراقية لإيصال المساعدات العسكرية للنظام السوري».
هذه الاتهامات استدعت رداً من المالكي، مؤكداً سياسة بلاده المحايدة تجاه كل ما يجري في سوريا، كما أبدوا في رسالتهم الموجهة لأوباما عدم رضاهم عن التأثير الكبير لإيران في قرارات الحكومة العراقية، مطالبين إياه بإيضاح هذا الأمر للمالكي.
أما المالكي، فيسعى من خلال هذه الزيارة إلى تصوير نفسه على أنه حليف الولايات المتحدة الأول في وجه الإرهاب، ويدها اليمنى في العراق. ظهر ذلك من خلال ترداده الدائم في الأيام الأخيرة التي سبقت زيارته لعبارات كـ «التعاون مع الولايات المتحدة» و«محاربة الإرهاب».
تعزيز المالكي لصورته هذه لدى الأميركيين قد يمنحه دعمهم من أجل الحصول على ولاية ثالثة، والاستمرار في منصبه؛ هدف ليس بخفي، فالانتخابات البرلمانية العراقية ستجرى في العام المقبل، وعليه تأكيد تحالفاته قبل دخولها.
لكن الدعم الأميركي لن يكون مجانياً، فالمقابل قد يكون قطع الطريق الجوي بين إيران وسوريا الذي يسهم في صمود نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا، كما من غير المستبعد أن تطلب إضعاف النفوذ الإيراني في الداخل العراقي، أو حتى يمكن للمقابل أن يكون مزيداً من الامتيازات النفطية.
ميدانياً، ارتفعت حصيلة ضحايا العنف في العراق خلال تشرين الاول المنصرم الى 964 قتيلاً، وهو اعلى مستوى يسجل منذ نيسان 2008، بعد تصاعد الهجمات في عموم البلاد خلال الاسابيع الماضية، ليصل عدد الذين قتلوا منذ بداية العام الحالي إلى اكثر من 5400 شخص.
وأكدت الأرقام التي أعلنتها وزارات الصحة والدفاع والداخلية أمس «مقتل 964 شخصاً، وهم 855 مدنياً، و65 شرطياً و44 عسكرياً في هجمات متفرقة خلال شهر تشرين الاول».
كذلك أفادت الحصيلة بإصابة 1600 شخص خلال الشهر الماضي، هم 1445 مدنياً و88 شرطياً و67 عسكرياً.
كذلك اشارت حصيلة الشهر الماضي الى مقتل 33 «ارهابيا» واعتقال 167 اخرين.
إلى ذلك، بث تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام، الفرع العراقي لتنظيم القاعدة، شريط فيديو يظهر فيه سجناء اثر فرارهم من سجن ابو غريب وهم يقومون باعدام ثلاثة اشخاص، كما افاد مركز سايت الاميركي المتخصص في مراقبة المواقع الاسلامية المتطرفة.
وقال المركز ان الفيديو يظهر قيام سجناء فارين باعدام ضابط في الجيش العراقي ورجلين آخرين باطلاق النار عليهم في الرأس من الخلف بعد تقييدهم وعصب اعينهم.
(الأخبار، رويترز، أ ف ب)